الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٨٧
قالَ بَعضُ الرُّواةِ : وَاللَّهِ ما رَأَيتُ مَكثوراً قَطُّ ، قَد قُتِلَ وُلدُهُ ، وأهلُ بَيتِهِ وأصحابُهُ ، أربَطَ جأشاً مِنهُ ، وإنَّ الرِّجالَ كانَت لَتَشُدُّ عَلَيهِ فَيَشُدُّ عَلَيها بِسَيفِهِ ، فَتَنكَشِفُ عَنهُ انكِشافَ المِعزى إذا شَدَّ فيهَا الذِّئبُ ، ولَقَد كانَ يَحمِلُ فيهِم وقَد تَكَمَّلوا ثَلاثينَ ألفاً ، فَيُهزَمونَ بَينَ يَدَيهِ كَأَنَّهُمُ الجَرادُ المُنتَشِرُ ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى مَركَزِهِ وهُوَ يَقولُ : لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظيمِ .[١]
١١٣٠.تاريخ الطبري عن أبي مخنف عن الحجّاج عن عبد اللَّه بن عمّار بن عبد يغوث البارقي : عُتِبَ عَلى عَبدِ اللَّهِ ابنِ عَمّارٍ بَعدَ ذلِكَ مَشهَدُهُ قَتلَ الحُسَينِ عليه السلام ، فَقالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمّارٍ : إنَّ لي عِندَ بَني هاشِمٍ لَيَداً ، قُلنا لَهُ : وما يَدُكَ عِندَهُم ؟ قالَ : حَمَلتُ عَلى حُسَينٍ بِالرُّمحِ فَانتَهَيتُ إلَيهِ ، فَوَاللَّهِ لَو شِئتُ لَطَعَنتُهُ ، ثُمَّ انصَرَفتُ عَنهُ غَيرَ بَعيدٍ ، وقُلتُ : ما أصنَعُ بِأَن أتَوَلّى قَتلَهُ ؟ يَقتُلُهُ غَيري . قالَ : فَشَدَّ عَلَيهِ رَجّالَةٌ مِمَّن عَن يَمينِهِ وشِمالِهِ ، فَحَمَلَ عَلى مَن عَن يَمينِهِ حَتَّى ابذَعَرّوا[٢] ، وعَلى مَن عَن شِمالِهِ حَتَّى ابذَعَرّوا ، وعَلَيهِ قَميصٌ لَهُ مِن خَزٍّ وهُوَ مُعتَمٌّ . قالَ : فَوَاللَّهِ ما رَأَيتُ مَكسوراً قَطُّ ، قَد قُتِلَ وُلدُهُ ، وأهلُ بَيتِهِ وأصحابُهُ ، أربَطَ جَأشاً ولا أمضى جَناناً ولا أجرَأَ مَقدَماً مِنهُ ، وَاللَّهِ ما رَأَيتُ قَبلَهُ ولا بَعدَهُ مِثلَهُ ، إن كانَتِ الرَّجّالَةُ لَتَنكَشِفُ مَن عَن يَمينِهِ وشِمالِهِ انكِشافَ المِعزى إذا شَدَّ فيهَا الذِّئبُ... . قالَ أبو مِخنَفٍ : حَدَّثَنِي الصَّقعَبُ بنُ زُهَيرٍ ، عَن حُمَيدِ بنِ مُسلِمٍ ، قالَ : كانَت عَلَيهِ جُبَّةٌ مِن خَزٍّ ، وكانَ مُعتَمّاً ، وكانَ مَخضوباً بِالوَسمَةِ . قالَ : وسَمِعتُهُ يَقولُ قَبلَ أن يُقتَلَ ، وهُوَ يُقاتِلُ عَلى رِجلَيهِ قِتالَ الفارِسِ الشُّجاعِ ، يَتَّقِي الرَّمِيَّةَ ، ويَفتَرِصُ[٣] العَورَةَ ، ويَشُدُّ عَلَى الخَيلِ وهُوَ يَقولُ : أعَلى قَتلي تَحاثّونَ[٤] ؟ أما وَاللَّهِ لا تَقتُلونَ بَعدي عَبداً مِن عِبادِ اللَّهِ ، اللَّهُ أسخَطُ عَلَيكُم لِقَتلِهِ مِنّي ، وَايمُ اللَّهِ ، إنّي لَأَرجو أن يُكرِمَنِيَ اللَّهُ بِهَوانِكُم ، ثُمَّ يَنتَقِمُ لي مِنكُم مِن حَيثُ لا تَشعُرونَ ، أما وَاللَّهِ أن لَو قَد قَتَلتُموني ، لَقَد
[١] الملهوف : ص ١٧٠ ، مثير الأحزان : ص ٧٢ نحوه وفيه «عبد اللَّه بن عمّار بن عبد يغوث» بدل «بعض الرواة» ، بحار الأنوار : ج ٤٥ ص ٥٠ وراجع : شرح الأخبار : ج ٣ ص ١٦٣ ح ١٠٩١ .[٢] اِبْذَعَرُّوا : أي تفرّقوا (الصحاح : ج ٢ ص ٥٨٨ «بذعر») .[٣] فَرَصَ : انتهز فلان الفُرصة ، أي اغتنمها وفاز بها (الصحاح : ج ٣ ص ١٠٤٨ «فرص») .[٤] الحَثُّ : الإعجال في اتّصال (لسان العرب : ج ٢ ص ١٢٩ «حثث») .