الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨١٨
فَلَم يَزَل يُقاتِلُ حَتّى ضَجَّ أهلُ الكوفَةِ لِكَثرَةِ مَن قَتَلَ مِنهُم، حَتّى أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ عَلى عَطَشِهِ قَتَلَ مِئَةً وعِشرينَ رَجُلاً، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيهِ وقَد أصابَتهُ جِراحاتٌ كَثيرَةٌ، فَقالَ: يا أبَه! العَطَشُ قَد قَتَلَني، وثِقلُ الحَديدِ قَد أجهَدَني، فَهَل إلى شَربَةٍ مِن ماءٍ سَبيلٌ ، أتَقَوّى بِها عَلَى الأَعداءِ؟ فَبَكَى الحُسَينُ عليه السلام وقالَ: يا بُنَيَّ! عَزَّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى عَلِيٍّ وعَلى أبيكَ أن تَدعُوَهُم فَلا يُجيبونَكَ، وتَستَغيثَ بِهِم فَلا يُغيثونَكَ، يا بُنَيَّ! هاتِ لِسانَكَ ، فَأَخَذَ لِسانَهُ فَمَصَّهُ، ودَفَعَ إلَيهِ خاتَمَهُ، وقالَ لَهُ: خُذ هذَا الخاتَمَ في فيكَ، وَارجِع إلى قِتالِ عَدُوِّكَ، فَإِنّي أرجو أن لا تُمسِيَ حَتّى يَسقِيَكَ جَدُّكَ بِكَأسِهِ الأَوفى شَربَةً لا تَظمَأُ بَعدَها أبَداً. فَرَجَعَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام إلَى القِتالِ ، وحَمَلَ وهُوَ يَقولُ :
وجَعَلَ يُقاتِلُ حَتّى قَتَلَ تَمامَ المِئَتَينِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ مُنقِذُ بنُ مُرَّةَ العَبدِيُّ عَلى مَفرِقِ رَأسِهِ ضَربَةً صَرَعَهُ فيها، وضَرَبَهُ النّاسُ بِأَسيافِهِم، فَاعتَنَقَ الفَرَسُ فَحَمَلَهُ الفَرَسُ إلى عَسكَرِ عَدُوِّهِ، فَقَطَّعوهُ بِأَسيافِهِم إرباً إرباً، فَلَمّا بَلَغَت روحُهُ التَّراقِيَ ، نادى بِأَعلى صَوتِهِ: يا أبَتاه! هذا جَدّي رَسولُ اللَّهِ، قَد سَقاني بِكَأسِهِ الأَوفى شَربَةً لا أظمَأُ بَعدَها أبَداً، وهُوَ يَقولُ لَكَ: العَجَلَ! فَإِنَّ لَكَ كَأساً مَذخورَةً. فَصاحَ الحُسَينُ عليه السلام: قَتَلَ اللَّهُ قَوماً قَتَلوكَ! يا بُنَيَّ، ما أجرَأَهُم عَلَى اللَّهِ ، وعَلَىانتِهاكِ حُرمَةِ رَسولِ اللَّهِ! عَلَى الدُّنيا بَعدَكَ العَفا. قالَ حُمَيدُ بنُ مُسلِمٍ: لَكَأَنّي أنظُرُ إلَى امرَأَةٍ خَرَجَت مُسرِعَةً كَأَنَّهَا الشَّمسُ طالِعَةً، تُنادي بِالوَيلِ وَالثُّبورِ، تَصيحُ: وَاحَبيباه! وَاثَمَرَةَ فُؤاداه! وانورَ عَيناه! فَسَأَلتُ عَنها فَقيلَ: هِيَ زَينَبُ بِنتُ عَلِيٍّ. ثُمَّ جاءَت حَتَّى انكَبَّت عَلَيهِ، فَجاءَ إلَيهَا الحُسَينُ عليه السلام حَتّى أخَذَ بِيَدِها ورَدَّها إلَى الفُسطاطِ . ثُمَّ أقبَلَ مَعَ فِتيانِهِ إلَى ابنِهِ، فَقالَ: اِحمِلوا أخاكُم ، فَحَمَلوهُ مِن مَصرَعِهِ حَتّى وَضَعوهُ عِندَ