الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٠٦
وقَد صَبَروا لِلطَّعنِ وَالضَّربِ حُسَّراً
قَتَلتُ بُرَيراً ثُمَّ حَمَّلتُ نِعمَةً
أبا مُنقِذٍ لَمّا دَعا مَن يُماصِعُ ؟
قالَ أبو مِخنَفٍ: حَدَّثَني عَبدُالرَّحمنِ بنُ جُندَبٍ، قالَ : سَمِعتُهُ في إمارَةِ مُصعَبِ بنِ الزُّبَيرِ وهُوَ يَقولُ : يا رَبِّ إنّا قَد وَفَينا فَلا تَجعَلنا يا رَبِّ كَمَن قَد غَدَرَ ، فَقالَ لَهُ أبي : صَدَقَ ، ولَقَد وَفى وكَرُمَ ، وكَسَبتَ لِنَفسِكَ شَرّاً ، قالَ : كَلّا ! إنّي لَم أكسِب لِنَفسي شَرّاً ، ولكِنّي كَسَبتُ لَها خَيراً . قالَ : وزَعَموا أنَّ رَضِيَّ بنَ مُنقِذٍ العَبدِيَّ رَدَّ بَعدُ علَى كَعبِ بنِ جابِرٍ جَوابَ قَولِهِ فَقالَ :
ولا جَعَلَ النَّعماءَ عِندِي ابنُ جابِرِ
لَقَد كانَ ذاكَ اليَومُ عاراً وسُبَّةً[١] يُعَيِّرُهُ الأَبناءُ بَعدَ المَعاشِرِ
ويَومَ حُسَينٍ كُنتُ في رَمسِ[٢] قابِرِ[٣]
٩٠٩.مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : أصبَحَ الحُسَينُ عليه السلام فَصَلّى بِأَصحابِهِ ، ثُمَ قُرِّبَ إلَيهِ فَرَسُهُ فَاستَوى عَلَيهِ ، وتَقَدَّمَ نَحوَ القَومِ في نَفَرٍ مِن أصحابِهِ ، وبَينَ يَدَيهِ بُرَيرُ بنُ خُضَيرٍ الهَمدانِيُّ ، فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : كَلِّمِ القَومَ يا بُرَيرُ وَانصَحهُم . فَتَقَدَّمَ بُرَيرٌ حَتّى وَقَفَ قَريباً مِنَ القَومِ وَالقَومُ قَد زَحَفوا إلَيهِ عَن بُكرَةِ أبيهِم ، فَقالَ لَهُم بُرَيرٌ : يا هؤُلاءِ اتَّقُوا اللَّهَ ؛ فَإِنَّ ثَقَلَ مُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه وآله قَد أصبَحَ بَينَ أظهُرِكُم ، هؤُلاءِ ذُرِّيَّتُهُ وعِترَتُهُ وَبناتُهُ وحَرَمُهُ ، فَهاتوا ما عِندَكُم ، ومَا الَّذي تُريدونَ أن تَصنَعوا بِهِم ؟ فَقالوا : نُريدُ أن نُمَكِّنَ مِنهُمُ الأَميرَ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ زِيادٍ فَيَرى رَأيَهُ فيهِم . فَقالَ بُرَيرٌ : أفَلا تَرضَونَ مِنهُم أن يَرجِعوا إلَى المَكانِ الَّذي أقبَلوا مِنهُ ؟ وَيلَكُم يا أهلَ الكوفَةِ ! أنَسيتُم كُتُبَكُم إلَيهِ وعُهودَكُمُ الَّتي أعطَيتُموها مِن أنفُسِكُم وأشهَدتُمُ اللَّهَ عَلَيها وكَفى بِاللَّهِ شَهيداً ؟ وَيلَكُم ! دَعَوتُم أهلَ بَيتِ نَبِيِّكُم وزَعَمتُم أنَّكُم تَقتُلونَ أنفُسَكُم مِن دونِهِم ، حَتّى إذا أتَوكُم أسلَمتُموهُم لِعُبَيدِ اللَّهِ ، وحَلَّأتُموهُم[٤] عَن ماءِ الفُراتِ الجاري وهُوَ مَبذولٌ ، يَشرَبُ مِنهُ
[١] السُّبّة : العار . ويقال : صار هذا الأمر سُبّة عليهم : أي عاراً يُسبُّ به (لسان العرب : ج ١ ص ٤٥٦ «سبب») .[٢] الرَّمس : التراب ، ثمّ سُمّي القبر به (المصباح المنير : ص ٢٣٨ «رمس») .[٣] تاريخ الطبري : ج ٥ ص ٤٣١ وراجع : الكامل في التاريخ : ج ٢ ص ٥٦٥ وأنساب الأشراف : ج ٣ ص ٣٩٩ .[٤] يُحلّأون عنه : أي يُصَدّون عنه ويُمنَعون من وروده (النهاية : ج ١ ص ٤٢١ «حلأ») .