الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٠
وقفة عند روايات طلب مسلم الاستقالة من سفارة الإمام
تفيد الروايات السابقة بأنّ مسلماً عليه السلام قدم من مكّة إلى المدينة متوجّهاً إلى الكوفة ، واصطحب معه دليلين منطلقاً نحوها ، ولكنّهما ضلّا الطريق وهلكا بسبب العطش . وبعد مشقّة كبيرة حصل مسلم ومرافقوه الآخرون - بمشورة الدليلين أو بدونها - على الماء ونجوا من الموت ، ولكنّه تطيّر من هذه الحادثة ؛ ولذلك كتب رسالة إلى الإمام الحسين عليه السلام وطلب منه أن يعفيه من أداء هذه المهمّة ، ولكنّ الإمام عليه السلام رفض استقالته في جوابٍ بعثه إليه ، واتّهمه بالخوف من القيام بهذه المهمّة ، وأكّد عليه أن يواصل طريقه . لكنّ هذه الروايات محلّ تأمّل للأسباب التالية : ١ . لا يمتلك أيّ منها سنداً معتبراً يمكن الاعتماد عليه . ٢ . تفيد المستندات التاريخية بأنّ مسلماً اجتاز المسافة من مكّة إلى الكوفة خلال عشرين يوماً ؛ ذلك لأنّه خرج من مكّة في ١٥ رمضان ووصل إلى الكوفة في الخامس من شوال[١] ، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ المسافة من مكّة إلى الكوفة تبلغ حوالي ١٤٠٠ كيلومتراً ، فإنّ من المفترض أن يكون قد قطع كلّ يوم ما معدّله سبعون كيلومتراً ، بغضّ النظر عن تأخّره في المدينة . فإن كان قد بعث رسولاً بعد المدينة إلى مكّة كي يستوضحه فيما يجب أن يفعله ، وأضفنا المدّة التي كان بحاجة إليها للعثور على الرسول ، والانطلاق ، واستلام الجواب من الإمام ، والعودة ، والمدّة المتبقّية في المدينة ، والفترة التي كانت تلزمه للاستراحة ؛ فإنّ المدّة التي استغرقها السفر من المفترض أن تتجاوز الشهر على الأقلّ . ٣ . من المستبعد أن يهلك الدليلان عطشاً مع اعتيادهما على مشقّات الطريق في حين بقي مسلم ومرافقوه على قيد الحياة!
[١] راجع : ص ٣١٢ (قدوم مسلم الكوفة وبيعة أهلها له) .