الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٨
كما ينبغي أن لا ننسى إقامة أهل المدينة العزاء عند عودة أهل بيت النبيّ صلى اللَّه عليه وآله ،[١] وعزاء زوجات الإمام عليه السلام ،[٢] وكذلك العزاء الذي أقامته اُمّ البنين لأولادها في البقيع .[٣] ويجب أن نضيف إلى كلّ ذلك مراثي وحداد أهل بيت عبد المطّلب ، والذي كانوا يقيمونه يوميّاً خلال عام الشهادة في ذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلام حتّى ثلاث أعوام في المدينة ،[٤] وكان يشارك فيه بعض الصحابة والتابعين أيضاً ،[٥] ولبس أهل بيت الإمام عليه السلام ملابسَ الحزن ،[٦] ومواصلة الأحزان والمآتم حتّى موت ابن زياد ،[٧] وتعاطف بعض الأصحاب والتابعين معهم ؛[٨] كلّ ذلك خلق أجواء تمخّضت عن نشوء حركة «التوّابين»، حيث بدأوا مسيرتهم باتّجاه الشام ومحاربة قتلة الإمام الحسين عليه السلام ، بالتجمّع عند قبر الإمام عليه السلام وأصحابه وأقامة العزاء ، ثمّ واصلوا مسيرهم[٩] .[١٠]
المرحلة الثانية (إقامة العزاء كشعيرة دينيّة من قبل الأئمّة عليهم السلام)
ظهرت مراسم العزاء على أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام في هذه المرحلة باعتبارها شعيرة دينيّة ، وقد اكتسبت هذه الحقيقة الشكل النهائي في ثلاثة أدوار :
[١] راجع : ص ١٣٢٣ ( الفصل الأوّل / إقامة المأتم في المدينة / حين وصل الخبر ) .[٢] الأماليللشجري : ج ١ ص ١٧٥، تذكرة الخواصّ : ص ٢٦٥ وراجع : هذا الكتاب : ص ١٣١٨ ( الفصل الأوّل / رثاء الرباب ) .[٣] راجع : ص ١٣٢٧ ( الفصل الأوّل / إقامة المأتم في المدينة / ندبة اُمّ البنين) .[٤] راجع : ص ١٣٢٧ (الفصل الأوّل / إقامة المأتم في المدينة / النياحة عليه ثلاث سنين) .[٥] كتاب المجالس والمسائرات للقاضي النعمان : ص ١٠٣.[٦] راجع : ص ١٣٢٨ ( الفصل الأوّل / أوّل من لبس السواد في مأتم الحسين عليه السلام ) .[٧] راجع : ص ١٣٢٧ ( الفصل الأوّل / إقامة المأتم في المدينة / استمرار مأتم أهل البيت إلى قتل ابن زياد ) .[٨] راجع : ص ١٣٨٠ ( الفصل الرابع / بكاء عدّة من الصحابة والتابعين ) .[٩] تاريخ الطبري : ج ٥ ص ٥٨٩ .[١٠] ذكرنا فيما سبق أنّ حادثة كربلاء كانت عظيمة على المسلمين وسبباً لحزنهم العميق ، وأمّا بالنسبة لبني هاشم فقد تركت عليهم أثراً كبيراً بحيث إنّهم بقوا في حال الحزن والعزاء حتّى هلاك ابن زياد ، فهل إنّ هذا بسبب تأثّرهم بآداب العرب آنذاك حيث كانوا يديمون العزاء والحزن على المقتول حتى موت القاتل ؟ لا يبعد ذلك . وعلى أيّ حال فإنّ أهل البيت عليهم السلام خلال هذه السنوات الخمس أو الستّ جعلوا العزاء أمراً عادياً ، وهذا ما هيّأ الأرضية الفكرية والثقافية والجهادية المناسبة ، الأمر الذي اُضيف له دعم أهل البيت عليهم السلام وتوجيههم، فتحوّل إلى شعائر مذهبية ذات مغزى وقيمة عالية، والتي ستأتي الإشارة إليها فيما بعد .