الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٥٤
عُنوانَهُ : لِلأَميرِ مُصعَبِ بنِ الزُّبَيرِ مِن شِمرِ بنِ ذِي الجَوشَنِ . قالَ : فَمَضَى العِلجُ حَتّى يَدخُلَ قَريَةً فيها بُيوتٌ وفيها أبو عَمرَةَ ، وقَد كانَ المُختارُ بَعَثَهُ في تِلكَ الأَيّامِ إلى تِلكَ القَريَةِ ؛ لِتَكونَ مَسلَحَةً فيما بَينَهُ وبَينَ أهلِ البَصرَةِ ، فَلَقِيَ ذلِكَ العِلجُ عِلجاً مِن تِلكَ القَريَةِ ، فَأَقبَلَ يَشكو إلَيهِ ما لَقِيَ مِن شِمرٍ ، فَإِنَّهُ لَقائِمٍ مَعَهُ يُكَلِّمُهُ إذ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِن أصحابِ أبي عَمرَةَ ، فَرَأَى الكِتابَ مَعَ العِلجِ ، وعُنوانُهُ لِمُصعَبٍ مِن شِمرٍ ، فَسَأَلُوا العِلجَ عَن مَكانِهِ الَّذي هُوَ بِهِ فَأَخبَرَهُم ، فَإِذا لَيسَ بَينَهُم وبَينَهُ إلّا ثَلاثَةُ فَراسِخَ ، قالَ : فَأَقبَلوا يَسيرونَ إلَيهِ . قالَ أبو مِخنَفٍ : فَحَدَّثَني مُسلِمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ : وأنَا وَاللَّهِ مَعَ شِمرٍ تِلكَ اللَّيلَةَ ، فَقُلنا : لَو أنَّكَ ارتَحَلتَ بِنا مِن هذَا المَكانِ ، فَإِنّا نَتَخَوَّفُ بِهِ ، فَقالَ : أوَ كُلُّ هذا فَرَقاً[١] مِنَ الكَذّابِ ! وَاللَّهِ لا أتَحَوَّلُ مِنهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ، مَلَأَ اللَّهُ قُلوبَكُم رُعباً ! قالَ : وكانَ بِذلِكَ المَكانِ الَّذي كُنّا فيهِ دَبىً[٢] كَثيرٌ ، فَوَاللَّهِ ، إنّي لَبَينَ اليَقظانِ وَالنّائِمِ إذ سَمِعتُ وَقَعَ حَوافِرِ الخَيلِ ، فَقُلتُ في نَفسي : هذا صَوتُ الدَّبى ، ثُمَّ إنّي سَمِعتُهُ أشَدَّ مِن ذلِكَ ، فَانتَبَهتُ ومَسَحتُ عَينَيَّ ، وقُلتُ : لا وَاللَّهِ ما هذا بِالدَّبى . قالَ : وذَهَبتُ لِأَقومَ ، فَإِذا أنَا بِهِم قَد أشرَفوا عَلَينا مِنَ التَّلِّ ، فَكَبَّروا ، ثُمَّ أحاطوا بَأَبياتِنا ، وخَرَجنا نَشتَدُّ عَلى أرجُلِنا ، وتَرَكنا خَيلَنا . قالَ : فَأَمُرُّ عَلى شِمرٍ وأنَّهُ لَمُتَّزِرٍ بِبُردٍ مُحَقَّقٍ ، وكانَ أبرَصَ ، فَكَأَنّي أنظُرُ إلى بَياضِ كَشحَيهِ[٣] مِن فَوقِ البُردِ ، فَإِنَّهُ لَيُطاعِنُهُم بِالرُّمحِ ، قَد أعجَلوهُ أن يَلبِسَ سِلاحَهُ وثِيابَهُ ، فَمَضَينا وتَرَكناهُ . قالَ : فَما هُوَ إلّا أن أمَعنتُ ساعَةً ، إذ سَمِعتُ : اللَّهُ أكبَرُ ، قَتَلَ اللَّهُ الخَبيثَ . قالَ أبو مِخنَفٍ : حَدَّثَني المِشرَقِيُّ عَن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عُبَيدٍ أبِي الكَنودِ : أنَا واَللَّهِ ، صاحِبُ الكِتابِ الَّذي رَأَيتُهُ مَعَ العِلجِ ، وأتَيتُ بِهِ أبا عَمرَةَ ، وأنَا قَتَلتُ شِمراً ، قالَ : قُلتُ : هَل سَمِعتَهُ
[١] الفَرَقُ : الخَوفُ والفَزَعُ (النهاية : ج ٣ ص ٤٣٨ «فرق») .[٢] الدَّبى : الجرادُ قبل أن يطير (النهاية : ج ٢ ص ١٠٠ «دبا») .[٣] الكَشْح : الخِصر (النهاية : ج ٤ ص ١٧٥ «كشح») .