الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١١٩٠
١٦٩٢.الكامل في التاريخ عن شقيق بن سلمة : أمّا بَعدُ ، فَقَد بَلَغَني أنَّ المُلحِدَ ابنَ الزُّبَيرِ دَعاكَ إلى بَيعَتِهِ ، وأنَّكَ اعتَصَمتَ بِبَيعَتِنا ، وَفاءً مِنكَ لَنا ، فَجَزاكَ اللَّهُ مِن ذي رَحِمٍ خَيرَ ما يَجزِي الواصِلينَ لِأَرحامِهِم ، الموفينَ بِعُهودِهِم ، فَما أنسَ مِنَ الأَشياءِ فَلَستُ بِناسٍ بِرَّكَ ، وتَعجيلَ صِلَتِكَ بِالَّذي أنتَ لَهُ أهلٌ ، فَانظُر مَن طَلَعَ عَلَيكَ مِنَ الآفاقِ مِمَّن سَحَرَهُمُ ابنُ الزُّبَيرِ بِلِسانِهِ ، فَأَعلِمهُم بِحالِهِ ، فَإِنَّهُم مِنكَ أسمَعُ النّاسِ ، ولَكَ أطوَعُ مِنهُم لِلمُحِلِّ . فَكَتَبَ إلَيهِ ابنُ عَبّاسٍ : أمّا بَعدُ ، فَقَد جاءَني كِتابُكَ ، فَأَمّا تَركي بَيعَةَ ابنِ الزُّبَيرِ فَوَاللَّهِ ما أرجو بِذلِكَ بِرَّكَ ولا حَمدَكَ ، ولكِنَّ اللَّهَ بِالَّذي أنوي عَليمٌ . وزَعَمتَ أنَّكَ لَستَ بِناسٍ بِرّي، فَاحبِس - أيُّهَا الإنسانُ - بِرَّكَ عَنّي ، فَإِنّي حابِسٌ عَنكَ بِرّي. وسَأَلتَ أن اُحَبِّبَ النّاسَ إلَيكَ ، واُبَغِّضَهُم واُخَذِّلَهُم لِابنِ الزُّبَيرِ ، فَلا ولا سُرورَ ، ولا كَرامَةَ ، كَيفَ وقَد قَتَلتَ حُسَيناً عليه السلام وفِتيانَ عَبدِ المُطَّلِبِ ، مَصابيحَ الهُدى ، ونُجومَ الأَعلامِ ؟! غادَرَتهُم خُيولُكَ بِأَمرِكَ في صَعيدٍ واحِدٍ ، مُرَمَّلينَ[١] بِالدِّماءِ ، مَسلوبينَ بِالعَراءِ ، مَقتولينَ بِالظِّماءِ ، لا مُكَفَّنينَ ، ولا مُوَسَّدينَ ، تَسفي[٢] عَلَيهِمُ الرِّياحُ ، ويَنشي[٣] بِهِم عُرجُ البِطاحِ[٤] !! حَتّى أتاحَ اللَّهُ بِقَومٍ لَم يَشرَكوا في دِمائِهِم ، كَفَّنوهُم وأجَنّوهُم[٥] ، وبي وبِهِم لَو عَزَّزتَ وجَلَستَ مَجلِسَكَ الَّذي جَلَستَ ، فَما أنسَ مِنَ الأَشياءِ فَلَستُ بِناسٍ إطرادَكَ حُسَيناً عليه السلام مِن حَرَمِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله ، إلى حَرَمِ اللَّهِ ، وتَسييرَكَ الخُيولَ إلَيهِ ، فَما زِلتَ بِذلِكَ حَتّى أشخَصتَهُ إلَى العِراقِ ، فَخَرَجَ خائِفاً يَتَرَقَّبُ ، فَنَزَلَت بِهِ خَيلُكَ عَداوَةً مِنكَ للَّهِِ ولِرَسولِهِ ، ولِأَهلِ بَيتِهِ الَّذينَ أذهَبَ اللَّهُ عَنهُمُ الرِّجسَ
[١] رمَّلَهُ بالدم : أي تَلَطّخَ (الصحاح : ج ٤ ص ١٧١٣ «رمل») .[٢] سفت الريح التُرابَ : ذَرّتْهُ أو حَمَلَتْهُ (القاموس المحيط : ج ٤ ص ٣٤٣ «سفت») . في بعض النقول - كما يأتي - : «عُرجُ الضِّباع» ؛ أي القطيع من الضّباع . والعَرجاء : الضَّبُع ؛ خِلقَة فيها ، والجمع عُرْج ، وعُرْجُ الضِّباع يجعلونها بمنزلة القبيلة (تاج العروس : ج ٣ ص ٤٣١ «عرج»).[٣] نشى ريحاً طيِّبَةً : شَمَّها. و نَشِيَ بالشيءِ : عاوَدَهُ مرّةً بعد اُخرى (تاج العروس : ج ٢٠ ص ٢٤٤ «نشي»).[٤] البَطْحاءُ والأَبطَحُ : مسيل واسع فيه دقاق الحصى ، والجمع : أباطح وبطاح (القاموس المحيط : ج ١ ص ٢١٦ «بطح») .[٥] إجنَانَهُ : أي دفْنَهُ وسَتْرَهُ (النهاية : ج ١ ص ٣٠٧ «جنن») .