الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٣٨
١٥٠٥.الاحتجاج عن حذيم بن شريك الأسدي : لَمّا أتى عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ زَينُ العابِدينَ عليه السلام بِالنِّسوَةِ مِن كَربَلاءَ ، وكانَ مَريضاً ، وإذا نِساءُ أهلِ الكوفَةِ يَنتَدِبنَ مُشَقِّقاتِ الجُيوبِ ، وَالرِّجالُ مَعَهُنَّ يَبكونَ . فَقالَ زَينُ العابِدينَ عليه السلام - بِصَوتٍ ضَئيلٍ وقَد نَهَكَتهُ العِلَّةُ - : إنَّ هؤُلاءِ يَبكونَ عَلَينا! فَمَن قَتَلَنا غَيرَهم ؟ فَأَومَأَت زَينَبُ بِنتُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام إلَى النّاسِ بِالسُّكوتِ . قالَ حِذيَمٌ الأَسَدِيُّ : لَم أرَ وَاللَّهِ خَفِرَةً قَطُّ أنطَقَ مِنها ، كَأَنَّها تَنطِقُ وتُفرِغُ عَلى لِسانِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ، وقَد أشارَت إلَى النّاسِ بِأَن أنصِتوا ، فَارتَدَّتِ الأَنفاسُ وسَكَنَتِ الأَجراسُ[١] ، ثُمَّ قالَت - بَعدَ حَمدِ اللَّهِ تَعالى وَالصَّلاةِ عَلى رَسولِهِ صلى اللَّه عليه وآله : أمّا بَعدُ يا أهلَ الكوفَةِ ، يا أهلَ الخَتلِ وَالغَدرِ وَالخَذلِ وَالمَكرِ ، ألا فَلا رَقَأَتِ العَبرَةُ ولا هَدَأَتِ الزَّفرَةُ ، إنَّما مَثَلُكُم كَمَثَلِ «الَّتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَنَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ »[٢] ، هَل فيكُم إلَّا الصَّلَفُ وَالعُجبُ ، وَالشَّنَفُ وَالكَذِبُ ، ومَلَقُ[٣] الإِماءِ ، وغَمزُ الأَعداءِ ، أو كَمَرعى عَلى دِنَةٍ[٤] أو كَفِضَّةٍ عَلى مَلحودَةٍ ، ألا بِئسَ ما قَدَّمَت لَكُم أنفُسكُم أن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيكُم وفِي العَذابِ أنتمُ خالِدونَ . أتَبكونَ أخي ؟ ! أجَل وَاللَّهِ فَابكوا فَإِنَّكُم وَاللَّهِ أحرِياءُ[٥] بِالبُكاءِ ، فَابكوا كَثيراً وَاضحَكوا قَليلاً ، فَقَد بُليتُم بِعارِها ، ومُنيتُم بِشَنارها ولَن تَرحَضوها[٦] أبَداً ، وأنّى تَرحَضونَ قَتلَ سَليلِ خاتَمِ النُّبُوَّةِ ، ومَعدِنِ الرِّسالَةِ ، وسَيِّدِ شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ ، ومَلاذِ حَريمِكُم ، ومَعاذِ حِزبِكُم ، ومَقَرِّ سِلمِكُم ، وآسي[٧] كَلِمكُم[٨] ، ومَفزَعِ نازِلَتِكُم ، وَالمَرجِعِ إلَيهِ عِندَ مُقاتَلَتِكُم ، ومَدَرَةِ[٩] حُجَجِكُم ،
[١] الجرس : الصوت الخفيّ (الصحاح : ج ٣ ص ٩١٢ «جرس») .[٢] النحل : ٩٢ .[٣] الملق : أن يعطي بلسانه ما ليس في قلبه (لسان العرب : ج ١٠ ص ٣٤٧ «ملق») .[٤] الدّمنة : هي ما تُدمّنه الإبل والغنم بأبعارها ... فربما نَبَتَ فيها النبات الحسن النضير (النهاية : ج ٢ ص ١٣٤ «دمن») .[٥] أحرياء : جمع حريّ ؛ وهو الخليق (راجع : لسان العرب : ج ١٤ ص ١٧٣ «حري») .[٦] ترحضوها : أي تغسلوها (راجع : النهاية : ج ٢ ص ٢٠٨ «رحض») .[٧] الآسي : الطبيب (الصحاح : ج ٦ ص ٢٢٦٩) .[٨] الكلم : الجراحة (الصحاح : ج ٥ ص ٢٠٢٣ «كلم») .[٩] المدرة: زعيم القوم والمتكلّم عنهم (الصحاح: ج ٦ ص ٢٢٣١ «دره»).