الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨١٤
فَفَعَلَ ذلِكَ مِراراً وأهلُ الكوفَةِ يَتَّقونَ قَتلَهُ، فَبَصُرَ بِهِ مُرَّةُ بنُ مُنقِذٍ العَبدِيُّ، فَقالَ: عَلَيَّ آثامُ العَرَبِ ، إن مَرَّ بي يَفعَلُ مِثلَ ذلِكَ إن لَم اُثكِلهُ أباهُ، فَمَرَّ يَشتَدُّ عَلَى النّاسِ كَما مَرَّ فِي الأَوَّلِ، فَاعتَرَضَهُ مُرَّةُ بنُ مُنقِذٍ، فَطَعَنَهُ فَصُرِعَ، وَاحتَواهُ القَومُ فَقَطَّعوهُ بِأَسيافِهِم. فَجاءَ الحُسَينُ عليه السلام حَتّى وَقَفَ عَلَيهِ، فَقالَ: قَتَلَ اللَّهُ قَوماً قَتَلوكَ يا بُنَيَّ ، ما أجرَأَهُم عَلَى الرَّحمنِ وعَلَى انتِهاكِ حُرمَةِ الرَّسولِ! وَانهَمَلَت عَيناهُ بِالدُّموعِ، ثُمَّ قالَ: عَلَى الدُّنيا بَعدَكَ العَفاءُ. وخَرَجَت زَينَبُ اُختُ الحُسَينِ مُسرِعَةً تُنادي: يا اُخَيّاه وَابنَ اُخَيّاه، وجاءَت حَتّى أكَبَّت عَلَيهِ، فَأَخَذَ الحُسَينُ عليه السلام بِرَأسِها فَرَدَّها إلَى الفُسطاطِ، وأمَرَ فِتيانَهُ فَقالَ: اِحمِلوا أخاكُم، فَحَمَلوهُ حَتّى وَضَعوهُ بَينَ يَدَيِ الفُسطاطِ الَّذي كانوا يُقاتِلونَ أمامَهُ .[١]
٩٩٤.الملهوف: فَلَمّا لَم يَبقَ مَعَهُ إلّا أهلُ بَيتِهِ، خَرَجَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام - وكانَ مِن أصبَحِ النّاسِ وَجهاً ، وأحسَنِهِم خُلُقاً - فَاستَأذَنَ أباهُ فِي القِتالِ، فَأذِنَ لَهُ؛ ثُمَّ نَظَرَ إلَيهِ نَظرَةَ آيِسٍ مِنهُ، وأرخى عليه السلام عَينَيهِ وبَكى . ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اشهَد، فَقَد بَرَزَ إلَيهِم غُلامٌ أشبَهُ النّاسِ خَلقاً وخُلُقاً ومَنطِقاً بِرَسولِكَ صلى اللَّه عليه وآله، وكُنّا إذَا اشتَقنا إلى نَبِيِّكَ نَظَرنا إلَيهِ . فَصاحَ وقالَ: يَا بنَ سَعدٍ، قَطَعَ اللَّهُ رَحِمَكَ كَما قَطَعتَ رَحِمي. فَتَقَدَّمَ نَحوَ القَومِ، فَقاتَلَ قِتالاً شَديداً ، وقَتَلَ جَمعاً كَثيراً، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيهِ وقالَ: يا أبَتِ! العَطَشُ قَد قَتَلَني ، وثِقلُ الحَديدِ[٢] قَد أجهَدَني، فَهَل إلى شَربَةِ ماءٍ مِن سَبيلٍ؟ فَبَكَى الحُسَينُ عليه السلام وقالَ: واغَوثاه! يا بُنَيَّ مِن أينَ آتي بِالماءِ، قاتِل قَليلاً، فَما أسرَعَ ما تَلقى جَدَّكَ مُحَمَّداً صلى اللَّه عليه وآله، فَيَسقيكَ بِكَأسِهِ الأَوفى شَربَةً لا تَظمَأُ بَعدَها. فَرَجَعَ إلى مَوقِفِ النِّزالِ، وقاتَلَ أعظَمَ القِتالِ، فَرَماهُ مُنقِذُ بنُ مُرَّةَ العَبدِيُّ بِسَهمٍ فَصَرَعَهُ، فَنادى: يا أبَتاه عَلَيكَ مِنِّي السَّلامُ، هذا جَدّي يُقرِئُكَ السَّلامَ، ويَقولُ لَكَ: عَجِّلِ القُدومَ عَلَينا، ثُمَّ شَهِقَ شَهقَةً فَماتَ.
[١] الإرشاد: ج ٢ ص ١٠٦ ، مثير الأحزان: ص ٦٨ ، إعلام الورى: ج ١ ص ٤٦٤ كلاهما نحوه وليس فيهما من «اضرب» إلى «قرشي» .[٢] ويحتمل أن يكون مراد عليّ بن الحسين عليه السلام من ثقل الحديد كثرة عسكر المخالفين (راجع : نفس المهموم: ص ٥٨٩) .[٣] الملهوف: ص ١٦٦ .