الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧٩
إنّي أخافُ أن تَدخُلَ مِصراً مِن هذِهِ الأَمصارِ ، فَيَختَلِفَ النّاسُ بَينَهُم ، فَمِنهُم طائِفَةٌ مَعَكَ واُخرى عَلَيكَ ، فَيَقتَتِلونَ ، فَتَكونُ أنتَ لِأَوَّلِ الأَسِنَّةِ ، فَإِذا خَيرُ هذِهِ الاُمَّةِ كُلِّها نَفساً وأباً واُمّاً ، أضيَعُها دَماً ، وأذَلُّها أهلاً . فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : فَأَينَ أذهَبُ يا أخي ؟ قالَ : اِنزِل مَكَّةَ ، فَإِنِ اطمَأَنَّتِ بِكَ الدّارُ بِها فَسَبيلُ ذلِكَ ، وإن نَبَت[١] بِكَ لَحِقتَ بِالرِّمالِ وشَعَفِ[٢] الجِبالِ ، وخَرَجتَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ، حَتّى تَنظُرَ ما يَصيرُ أمرُ النّاسِ إلَيهِ ، فَإِنَّكَ أصوَبُ ما تَكونُ رَأياً حينَ تَستَقبِلُ الأَمرَ استِقبالاً . فَقالَ : يا أخي ! قَد نَصَحتَ وأشفَقتَ ، وأرجو أن يَكونَ رَأيُكَ سَديداً مُوَفَّقاً .[٣]
وأمَّا الحُسَينُ عليه السلام ، فَإِنَّهُ خَرَجَ بِبَنيهِ وإخوَتِهِ ، وبَني أخيهِ وجُلِّ أهلِ بَيتِهِ ، إلّا مُحَمَّدَ بنَ الحَنَفِيَّةِ ، فَإِنَّهُ قالَ لَهُ : يا أخي ، أنتَ أحَبُّ النّاسِ إلَيَّ ، وأعَزُّهُم عَلَيَّ ، ولَستُ أدَّخِرُ النَّصيحَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ أحقَّ بِها مِنكَ . تَنَحَّ بِتَبِعَتِكَ[٤] عَن يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ وعَنِ الأَمصارِ مَا استَطَعتَ ، ثُمَّ ابعَث رُسُلَكَ إلَى النّاسِ فَادعُهُم إلى نَفسِكَ ، فَإِن بايَعوا لَكَ حَمِدتَ اللَّهَ عَلى ذلِكَ ، وإن أجمَعَ النّاسُ عَلى غَيرِكَ لَم يَنقُصِ اللَّهُ بِذلِكَ دينَكَ ولا عَقلَكَ ، ولا يَذهَبُ بِهِ مُروءَتُكَ ولا فَضلُكَ . إنّي أخافُ أن تَدخُلَ مِصراً مِن هذِهِ الأَمصارِ ، وَتأتِيَ جَماعَةً مِنَ النّاسِ ، فَيَختَلِفونَ بَينَهُم ، فَمِنهُم طائِفَةٌ مَعَكَ واُخرى عَلَيكَ ، فَيَقتَتِلونَ فَتَكونُ لِأَوَّلِ الأَسِنَّةِ ، فَإِذا خَيرُ هذِهِ الاُمَّةِ كُلِّها نَفساً وأباً واُمّاً ، أضيَعُها دَماً ، وأذَلُّها أهلاً . قالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : فَإِنّي ذاهِبٌ يا أخي ، قالَ : فَانزِل مَكَّةَ ، فَإِنِ اطمَأَنَّت بِكَ الدّارُ فَسَبيلُ ذلِكَ ، وإن نَبَت بِكَ ، لَحِقتَ بِالرِّمالِ وشَعَفِ الجِبالِ ، وخَرَجتَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ، حَتّى تَنظُرَ إلى ما يَصيرُ أمرُ النّاسِ ، وتَعرِفَ عِندَ ذلِكَ الرَّأيَ ، فَإِنَّكَ أصوَبُ ما تَكونُ رَأياً وأحزَمُهُ عَمَلاً حينَ تَستَقبِلُ الاُمورَ استِقبالاً ، ولا تَكونُ الاُمورُ عَلَيكَ أبداً أشكَلَ مِنها حينَ تَستَدبِرُهَا استِدباراً .
[١] نَبَتْ بي تلك الأرض : أي لم أجد بها قراراً (لسان العرب : ج ١٥ ص ٣٠٢ «نبا») .[٢] الشَّعَفَةُ : رأس الجبل ، والجمع شَعَف (الصحاح : ج ٤ ص ١٣٨١ «شعف») .[٣] الإرشاد : ج ٢ ص ٣٤ ، بحار الأنوار : ج ٤٤ ص ٣٢٦ .[٤] في الكامل في التاريخ : «تنحَّ ببَيعَتِكَ» .