الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٤٩
نظرة إلى أعمال مسلم في الكوفة
يمكن نقد وتقييم ما قام به مسلم في الكوفة بنوعين من وجهات النظر : فمن خلال نظرة سطحية قد يتصوّر البعضُ أنّه لم يكن يتمتّع بالسياسة والتخطيط اللّازم لأداء المهمّة وإعداد أرضيةٍ لقدوم الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة ؛ ذلك لأنّه لم يستطع أن يوظّف الجوّ السياسي والاجتماعي للكوفة بالنحو المطلوب ، مع أنّه كان متناغماً بشكل كامل مع الثورة الحسينية . فقد كان تحت تصرّفه ما لا يقل عن اثني عشر ألف مقاتل قبل وصول ابن زياد إلى الكوفة[١] ، وكان الجوّ السائد في الكوفة ملائماً بحيث اضطرّ ابن زياد إلى أن يدخلها بشكل سرّي ، ولو أنّ مسلماً كان قد أحسن تنظيم القوى المخلصة للنهضة قبل وصول ابن زياد ، لما سنحت لابن زياد الفرصة لتنظيم القوى المعارضة للثورة ، ولما كان بإمكانه محاربة أنصار الإمام ، الأمر الذي لو اُنجز لكان من الممكن تغيّر مصير ثورة أهل الكوفة بوصول الإمام إليهم ، ولما وقعت حادثة كربلاء الأليمة ، ولكنّه - أي مسلم - لم يستغلّ الجوّ السائد في الكوفة ، بل لم يقيّم مدى وفاء أهل الكوفة بشكل صحيح ، وكتب إلى الإمام الحسين عليه السلام : فَعَجِّلِ الإِقبالَ حينَ يَأتيكَ كِتابي ؛ فَإِنَّ النّاسَ كُلَّهُم مَعَكَ ، لَيسَ لَهُم في آلِ مُعاوِيَةَ رَأيٌ ولا هَوىً .[٢] وبذلك انطلق الإمام الحسين عليه السلام نحو الكوفة ، وحدثت واقعة كربلاء الدمويّة الأليمة ! وكما مرت الإشارة فإنّ هذا التقييم لِما قام به مسلم ، إنّما هو تقييم سطحي ، متشائم ولم يأخذ بنظر الاعتبار الملابسات التي أحاطت بمهمّته . ولكن مع الأخذ بنظر الاعتبار حقائق
[١] راجع : ص ٣١٢ (الفصل الرابع / قدوم مسلم إلى الكوفة وبيعة أهلها له) .[٢] راجع : ص ٣٤٤ ح ٣٤٣ .