الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٤
فَقامَ إلَيهِ أسماءُ بنُ خارِجَةَ ، فَقالَ : أ رُسُلُ غَدرٍ سائِرَ اليَومِ ؟ أمَرتَنا أن نَجيئَكَ بِالرَّجُلِ ، حَتّى إذا جِئناكَ بِهِ ، وأدخَلناهُ عَلَيكِ ، هَشَمتَ وَجهَهُ ، وسَيَّلتَ دَمَهُ عَلى لِحيَتِهِ ، وزَعَمتَ أنَّكَ تَقتُلُهُ ! فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللَّهِ : وإنَّكَ لَهاهُنا ! فَأَمَرَ بِهِ فَلُهِزَ[١] وتُعتِعَ[٢] بِهِ ، ثُمَّ تُرِكَ فَحُبِسَ . وأمّا مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ ، فَقالَ : قَد رَضينا بِما رَأَى الأَميرُ ، لَنا كانَ أم عَلَينا ، إنَّمَا الأَميرُ مُؤَدِّبٌ ! وبَلَغَ عَمرَو بنَ الحَجّاجِ أنَّ هانِئاً قَد قُتِلَ ، فَأَقبَلَ في مَذحِجٍ حَتّى أحاطَ بِالقَصرِ ، ومَعَهُ جَمعٌ عَظيمٌ ، ثُمَّ نادى : أنَا عَمرُو بنُ الحَجّاجِ ، هذِهِ فُرسانُ مَذحِجٍ ووُجوهُها ، لَم تَخلَع طاعَةً ولَم تُفارِق جَماعَةً ، وقَد بَلَغَهُم أنَّ صاحِبَهُم يُقتَلُ فَأَعظَموا ذلِكَ . فَقيلَ لِعُبَيدِ اللَّهِ : هذِه مَذحِجٌ بِالبابِ ! فَقالَ لِشُرَيحٍ القاضي : اُدخُل عَلى صاحِبِهِم فَانظُر إلَيهِ ، ثُمَّ اخرُج فَأَعلِمهُم أنَّهُ حَيٌّ لَم يُقتَل ، وأنَّكَ قَد رَأَيتَهُ ، فَدَخَلَ إلَيهِ شُرَيحٌ فَنَظَرَ إلَيهِ . قالَ أبو مِخنَفٍ : فَحَدَّثَنِي الصَّقعَبُ بنُ زُهَيرٍ عَن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ شُرَيحٍ ، قالَ : سَمِعتُهُ يُحَدِّثُ إسماعيلَ بنَ طَلحَةَ ، قالَ : دَخَلتُ عَلى هانِئٍ ، فَلَمّا رَآني قالَ : يا لَلَّهِ ، يا لَلمُسلِمينَ ! أهَلَكَت عَشيرَتي ؟ فَأَينَ أهلُ الدّينِ ؟ وأينَ أهلُ المِصرِ ؟ تَفاقَدوا ! يُخَلّوني وعَدُوَّهُم وَابنَ عَدُوِّهِم ! وَالدِّماءُ تَسيلُ عَلى لِحيَتِهِ ، إذ سَمِعَ الرَّجَّةَ عَلى بابِ القَصرِ ، وخَرَجتُ وَاتَّبَعَني ، فَقالَ : يا شُرَيحُ ، إنّي لَأَظُنُّها أصواتَ مَذحِجٍ ، وشيعَتي مِنَ المُسلِمينَ ، إن دَخَلَ عَلَيَّ عَشرَةُ نَفَرٍ أنقَذوني . قالَ : فَخَرَجتُ إلَيهِم ومَعي حُمَيدُ بنُ بُكَيرٍ الأَحمَرِيُّ ، أرسَلَهَ مَعيَ ابنُ زِيادٍ ، وكانَ مِن شُرَطِهِ ، مِمَّن يَقومُ عَلى رَأسِهِ ، وَايمُ اللَّهِ ، لَولا مَكانُهُ مَعي ، لَكُنتُ أبلَغتُ أصحابَهُ ما أمَرَني بِهِ . فَلَمّا خَرَجتُ إلَيهِم قُلتُ : إنَّ الأَميرَ لَمّا بَلَغَهُ مَكانُكُم ومَقالَتُكُم في صاحِبِكُم ، أمَرَني بِالدُّخولِ إلَيهِ ، فَأَتَيتُهُ فَنَظَرتُ إلَيهِ ، فَأَمَرني أن ألقاكُم وأن اُعلِمَكُم أنَّهُ حَيٌّ ، وأنَّ الَّذي بَلَغَكُم مِن قَتلِهِ كانَ باطِلاً ، فَقالَ عَمرٌو وأصحابُهُ : فَأَمّا إذ لَم يُقتَل فَالحَمدُ للَّهِِ ، ثُمَّ انصَرَفوا.[٣]
[١] اللَّهزُ : الضرب بجمع اليد في الصدر (الصحاح : ج ٣ ص ٨٩٥ «لهز») .[٢] التَّعْتَعَةُ : الحركة العنيفة ، وقد تعتعه : إذا عتله وأقلقه (لسان العرب : ج ٨ ص ٣٥ «تعع») .[٣] تاريخ الطبري : ج ٥ ص ٣٦٤ ، الكامل في التاريخ : ج ٢ ص ٥٣٨ ؛ الإرشاد : ج ٢ ص ٤٦ ، إعلام الورى : ج ١ ص ٤٤٠ وليس فيه ذيله من «وجعلوا عليه حرساً» ، الملهوف : ص ١١٤ ، بحار الأنوار : ج ٤٤ ص ٣٤٤ وراجع : الأخبار الطوال : ص ٢٣٠ ومقاتل الطالبيّين : ص ١٠٢ والفتوح : ج ٥ ص ٤٤ ومقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج ١ ص ٢٠٢ والبداية والنهاية : ج ٨ ص ١٥٤ والمناقب لابن شهرآشوب : ج ٤ ص ٩٢.