الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٣
فَقالَ : لا وَاللَّهِ لا أجيؤُكَ بِهِ أبَداً ، أنَا أجيؤُكَ بِضَيفي تَقتُلُهُ ؟ ! قالَ : وَاللَّهِ لَتَأتِيَنّي بِهِ . قالَ : وَاللَّهِ لا آتيك بِهِ . فَلَمّا كَثُرَ الكَلامُ بَينَهُما ، قامَ مُسلِمُ بنُ عَمرٍو الباهِلِيُّ ، ولَيسَ بِالكوفَةِ شامِيٌّ ولا بَصرِيٌّ غَيرُهُ ، فَقالَ : أصلَحَ اللَّهُ الأَميرَ ! خَلِّني وإيّاهُ حَتّى اُكَلِّمَهُ لَمّا رَأى لَجاجَتَهُ وتَأبّيهِ عَلَى ابنِ زِيادٍ أن يَدفَعَ إلَيهِ مُسلِماً . فَقالَ لِهانِئٍ : قُم إلى هاهُنا حَتّى اُكَلِّمَكَ ، فَقامَ ، فَخَلا بِهِ ناحِيَةً مِنِ ابنِ زِيادٍ ، وهُما مِنهُ عَلى ذلِكَ قَريبٌ حَيثُ يَراهُما ، إذا رَفَعا أصواتَهُما سَمِعَ ما يَقولانِ ، وإذا خَفَضا خَفِيَ عَلَيهِ ما يَقولانِ . فَقالَ لَهُ مُسلِمٌ : يا هانِئُ ! إنّي أنشُدُكَ اللَّهَ أن تَقتُلَ نَفسَكَ ، وتُدخِلَ البَلاءَ عَلى قَومِكَ وعَشيرَتِكَ ، فَوَاللَّهِ إنّي لَأَنفَسُ بِكَ عَنِ القَتلِ - وهُوَ يَرى أنَّ عَشيرَتَهُ سَتَحَرَّكُ في شَأنِهِ - إنَّ هذَا الرَّجُلَ ابنُ عَمِّ القَومِ ، ولَيسوا قاتِليهِ ولا ضائِريهِ ، فَادفَعهُ إلَيهِ ، فَإِنَّهُ لَيسَ عَلَيكَ بِذلِكَ مَخزاةٌ ولا مَنقَصَةٌ ، إنَّما تَدفَعُهُ إلَى السُّلطانِ . قالَ : بَلى وَاللَّهِ ، إنَّ عَلَيَّ في ذلِكَ لَلخِزيُ وَالعارُ ، أنَا أدفَعُ جاري وضَيفي ، وأنَا حَيٌّ صَحيحٌ أسمَعُ وأرى ، شَديدُ السّاعِدِ كَثيرُ الأَعوانِ ! وَاللَّهِ لَو لَم أكُن إلّا واحِداً لَيسَ لي ناصِرٌ لَم أدفَعهُ حَتّى أموتَ دونَهُ . فَأَخَذَ يُناشِدُهُ وهُوَ يَقولُ : وَاللَّهِ لا أدفَعُهُ إلَيهِ أبَداً ، فَسَمِعَ ابنُ زِيادٍ ذلِكَ ، فَقالَ : أدنوهُ مِنّي ، فَأَدنَوهُ مِنهُ ، فَقالَ : وَاللَّهِ لَتَأتِيَنّي بِهِ أو لَأَضرِبَنَّ عُنُقَكَ . قالَ : إذاً تَكثُرَ البارِقَةُ[١] حَولَ دارِكَ . فَقالَ : والَهفاً عَلَيكَ ، أبِالبارِقَةِ تُخَوِّفُني ؟ وهُوَ يَظُنَّ أنَّ عَشيرَتَهُ سَيَمنَعونَهُ . فَقالَ ابنُ زِيادٍ : أدنوهُ مِنّي ، فَاُدنِيَ ، فَاستَعرَضَ وَجهَهُ بِالقَضيبِ ، فَلَم يَزَل يَضرِبُ أنفَهُ وجَبينَهُ وخَدَّهُ ، حَتّى كَسَرَ أنفَهُ وسَيَّلَ الدِّماءَ عَلى ثِيابِهِ ، ونَثَرَ لَحمَ خَدَّيهِ وجَبينِهِ عَلى لِحيَتِهِ ، حَتّى كُسِرَ القَضيبُ ، وضَرَبَ هانِئٌ بِيَدِهِ إلى قائِمِ سَيفِ شُرطِيٍّ مِن تِلكَ الرِّجالِ ، وجابَذَهُ[٢] الرَّجُلُ ومُنِعَ . فَقالَ عُبَيدُ اللَّهِ : أحَرورِيٌّ سائِرَ اليَومِ ، أحلَلتَ بِنَفسِكَ ! قَد حَلَّ لَنا قَتلُكَ ، خُذوهُ فَأَلقوهُ في بَيتٍ مِن بُيوتِ الدّارِ ، وأغلِقوا عَلَيهِ بابَهُ ، وَاجعَلوا عَلَيهِ حَرَساً . فَفُعِلَ ذلِكَ بِهِ .
[١] البارِقَةُ : السيوف (لسان العرب : ج ١٠ ص ١٥ «برق») .[٢] جَبَذَهُ جَبْذاً : مثل جَذَبَه جَذْباً (المصباح المنير : ص ٨٩ «جبذ») .