الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٨
٢٦٢.الفتوح : خَرَجَ مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ مِن مَكَّةَ نَحوَ المَدينَةِ مُستَخفِياً ، لِئَلّا يَعلَمَ بِهِ أحَدٌ مِن بَني اُمَيَّةَ ، فَلَمّا دَخَلَ المَدينَةَ بَدَأَ بِمَسجِدِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله ، فَصَلّى فيهِ رَكعَتَينِ ، ثُمَّ أقبَلَ في جَوفِ اللَّيلِ حَتّى وَدَّعَ مَن أحَبَّ مِن أهلِ بَيتِهِ ، ثُمَّ إنَّهُ استَأجَرَ دَليلَينِ مِن قَيسِ عَيلانَ يَدُلّانِهِ عَلَى الطَّريقِ ، ويَصحَبانِهِ إلَى الكوفَةِ عَلى غَيرِ الجادَّةِ . قالَ : فَخَرَجَ بِهِ الدَّليلانِ مِنَ المَدينَةِ لَيلاً وسارا ، فَغَلَطَا الطَّريقَ ، وجارا عَنِ القَصدِ ، وَاشتَدَّ بِهِمَا العَطَشُ ، فَماتا جَميعاً عَطَشاً . قالَ : وكَتَبَ مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ رحمة اللَّه عليه إلَى الحُسَينِ عليه السلام : بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، لِلحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ مِن مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ ، أمّا بَعدُ ، فَإِنّي خَرَجتُ مِنَ المَدينَةِ مَعَ الدَّليلَينِ استَأجَرتُهُما ، فَضَلّا عَنِ الطَّريقِ وماتا عَطَشاً . ثُمَّ إنّا صِرنا إلَى الماءِ بَعدَ ذلِكَ ، وكِدنا أن نَهلِكَ ، فَنَجَونا بِحُشاشَةِ أنفُسِنا ، واُخبِرُكَ يَابنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله : أنّا أصَبنَا الماءَ بِمَوضِعٍ يُقالُ لَهُ المَضيقُ ، وقَد تَطَيَّرتُ مِن وَجهي هذَا الَّذي وَجَّهتَني بِهِ ، فَرَأيُكَ في إعفائي مِنهُ ، وَالسَّلامُ . قالَ : فَلَمّا قَرَأَ كِتابَ مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ رحمة اللَّه عليه عَلِمَ أنَّهُ قَد تَشاءَمَ وتَطَيَّرَ مِن مَوتِ الدَّليلَينِ ، وأنَّهُ جَزِعَ ، فَكَتَبَ إلَيهِ : بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، مِنَ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ إلى مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ : أمّا بَعدُ ، فَإِنّي خَشيتُ ألّا يَكونَ حَمَلَكَ عَلَى الكِتابِ إلَيَّ ، وَالاِستِعفاءِ مِن وَجهِكَ هذَا الَّذي أنتَ فيهِ ، إلَّا الجُبنُ وَالفَشَلُ ، فَامضِ لِما اُمِرتَ بِهِ ، وَالسَّلامُ عَلَيكَ ورَحمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ . فَلَمّا وَرَدَ الكِتابُ عَلى مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ ، كَأَنَّهُ وَجَدَ[١] مِن ذلِكَ في نَفسِهِ ، ثُمَّ قالَ : وَاللَّهِ لَقَد نَسَبَني أبو عَبدِ اللَّهِ الحُسَينُ عليه السلام إلَى الجُبنِ وَالفَشَلِ ! وهذا شَيءٌ لَم أعرِفهُ مِن نَفسي أبَداً . ثُمَّ سارَ مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ مِن مَوضِعِهِ ذلِكَ يُريدُ الكوفَةَ ، فَإِذا بِرَجُلٍ يَرمِي الصَّيدَ ، فَنَظَرَ إلَيهِ مُسلِمٌ ، فَرَآهُ وقَد رَمى ظَبياً فَصَرَعَهُ ، فَقالَ مُسلِمٌ : نَقتُلُ أعداءَنا إن شاءَ اللَّهُ تَعالى.[٢]
[١] وَجَدَ الرجلُ : حَزِنَ (لسان العرب : ج ٣ ص ٤٤٦ «وجد») .[٢] الفتوح : ج ٥ ص ٣٢ ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج ١ ص ١٩٦ نحوه وراجع : المناقب لابن شهرآشوب : ج ٤ ص ٩٠ .