الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٣
٢٥٧.الملهوف : وقِلَّةِ عِلمٍ ، لا يَعرِفُ مِنَ الحَقِّ مَوطِئَ قَدَمِهِ ، فَاُقسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً مَبروراً ، لَجِهادُهُ عَلَى الدّينِ أفضَلُ مِن جِهادِ المُشرِكينَ . وهذَا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ ابنُ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله - ذُو الشَّرَفِ الأَصيلِ وَالرَّأيِ الأَثيلِ - لَهُ فَضلٌ لا يوصَفُ ، وعِلمٌ لا يُنزَفُ ، وهُوَ أولى بِهذَا الأَمرِ لِسابِقَتِهِ وسِنِّهِ وقَدمِهِ وقَرابَتِهِ ، يَعطِفُ عَلَى الصَّغيرِ ، وَيحنو عَلَى الكَبيرِ ، فَأَكرِم بِهِ راعي رَعِيَّةٍ وإمامِ قَومٍ ، وَجَبَت للَِّهِ بِهِ الحُجَّةُ ، وَبَلَغَت بِهِ المَوعِظَةُ . فَلا تَعشوا عَن نورِ الحَقِّ ، ولا تَسكَعوا[١] في وَهدَةِ الباطِلِ ، فَقَد كانَ صَخرُ بنُ قَيسٍ قَدِ انخَذَلَ بِكُم يَومَ الجَمَلِ فَاغسِلوها بِخُروجِكُم إلَى ابنِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله ونُصرَتِهِ ، وَاللَّهِ لا يَقصُرُ أحَدٌ عَن نُصرَتِهِ إلّا أورَثَهُ اللَّهُ الذُّلَّ في وَلَدِهِ ، وَالقِلَّةَ في عَشيرَتِهِ ، وها أنَا قد لَبِستُ لِلحَربِ لَأمَتَها ، وَادَّرَعتُ لها بِدِرعِها، مَن لَم يُقتَل يَمُت، ومَن يَهرُب لَم يَفُت، فَأَحسِنوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ رَدَّ الجَوابِ. فَتَكَلَّمَت بَنو حَنظَلَةَ ، فَقالوا : يا أبا خالِدٍ ! نَحنُ نَبلُ كِنانَتِكَ وفارِسُ عَشيرَتِكَ ، إن رَمَيتَ بِنا أصَبتَ ، وإن غَزَوتَ بنا فَتَحتَ ، لا تَخوضُ وَاللَّهِ غَمرَةً إلّا خُضناها ، ولا تَلقى وَاللَّهِ شِدَّةً إلّا لَقيناها ، نَنصُرُكَ بِأَسيافِنا ، ونَقيكَ بِأَبدانِنا ، فَانهَض لِما شِئتَ . وتَكَلَّمَت بَنو سَعدِ بنِ يَزيدَ ، فَقالوا : يا أبا خالِدٍ ! إنَّ أبغَضَ الأَشياءِ إلَينا خِلافُكَ وَالخُروجُ مِن رَأيِكَ ، وقَد كانَ صَخرُ بنُ قَيسٍ أمَرَنا بِتَركِ القِتالِ ، فَحَمِدنا أمرَنا وبَقِيَ عِزُّنا فينا ، فَأَمهِلنا نُراجِعِ المَشوَرَةَ ونَأتِكَ بِرَأيِنا . وَتَكَلَّمَت بَنو عامِرِ بنِ تَميمٍ ، فَقالوا : يا أبا خالِدٍ ! نَحنُ بنو أبيكَ وحُلَفاؤُكَ ، لا نَرضى إن غَضِبتَ ، ولا نَقطُنُ إن ظَعَنتَ ، وَالأَمرُ إلَيكَ ، فَادعُنا نُجِبكَ ، ومُرنا نُطِعكَ ، وَالأَمرُ إلَيكَ إذا شِئتَ . فَقالَ : وَاللَّهِ - يا بَني سَعدٍ - ، لَئِن فَعَلتُموها لا يَرفَعُ اللَّهُ عَنكُمُ السَّيفَ أبَداً ، ولا يَزالُ سَيفُكُم فيكُم . ثُمّ كَتَبَ إلَى الحُسَينِ عليه السلام : بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، أمّا بَعدُ ، فَقَد وَصَلَ إلَيَّ كِتابُكَ ، وفَهِمتُ ما نَدَبتَني إلَيهِ ودَعَوتَني لَهُ مِنَ الأَخذِ بِحَظّي مِن طاعَتِكَ وَالفَوزِ بِنَصيبي مِن نُصرَتِكَ ، وأنَّ اللَّهَ لَم يُخلِ الأَرضِ مِن عامِلٍ عَلَيها بِخَيرٍ ودَليلٍ عَلى سَبيلِ النَّجاةِ ، وأنتُم حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلقِهِ
[١] سَكَعَ : مشى مشياً متعسّفاً لا يدري أين يأخذ في بلاد اللَّه ، وتحيّر (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٣٩ «سكع») .[٢] الملهوف : ص ١٠٩ ، مثير الأحزان : ص ٢٧ نحوه ، بحار الأنوار : ج ٤٤ ص ٣٣٧ .