الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٣
٢٠١.الفتوح : قالَ : وأرسَلَ الوَليدُ بنُ عُتبَةَ إلى مَنزِلِ الحُسَينِ عليه السلام لِيَنظُرَ هَل خَرَجَ مِنَ المَدينَةِ أم لا ؟ فَلَم يُصِبهُ في مَنزِلِهِ ، فَقالَ : الحَمدُ للَّهِِ الَّذي لَم يُطالِبنِي اللَّهُ عزّ وجلّ بِدَمِهِ . وظَنَّ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ المَدينَةِ . قالَ : ورَجَعَ الحُسَينُ عليه السلام إلى مَنزِلِهِ مَعَ الصُّبحِ . فَلمَّا كانَتِ اللَّيلَةُ الثّانِيَةُ خَرَجَ إلَى القَبرِ أيضاً فَصَلّى رَكعَتَينِ ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ جَعَلَ يَقولُ : اللَّهُمَّ إنَّ هذا قَبرُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ وأنَا ابنُ بِنتِ مُحَمَّدٍ ، وقَد حَضَرَني مِنَ الأَمرِ ما قَد عَلِمتَ ، اللَّهُمَّ وإنّي اُحِبُّ المَعروفَ وأكرَهُ المُنكَرَ ، وأنَا أسأَ لُكَ يا ذا الجَلالِ وَالإِكرامِ بِحقِّ هذَا القَبرِ ومَن فيهِ مَا اختَرتَ مِن أمري هذا ما هُوَ لَكَ رِضىً . قالَ : ثُمَّ جَعَلَ الحُسينُ عليه السلام يَبكي ، حَتّى إذا كانَ في بَياضِ الصُّبحِ وَضَعَ رَأسَهُ عَلَى القَبرِ فَأَغفى ساعَةً ، فَرَأَى النَّبِيَّ صلى اللَّه عليه وآله قَد أقبَلَ في كَبكَبَةٍ[١] مِنَ المَلائِكَةِ عَن يَمينِهِ وعَن شِمالِهِ ومِن بَينِ يَدَيهِ ومِن خَلفِهِ ، حَتّى ضَمَّ الحُسَينَ عليه السلام إلى صَدرِهِ وقَبَّلَ بَينَ عَينَيهِ ، وقالَ : يا بُنَيَّ يا حُسَينُ ، كَأَنَّكَ عَن قَريبٍ أراكَ مَقتولاً مَذبوحاً بِأَرضِ كَربٍ وبَلاءٍ ، مِن عِصابَةٍ مِن اُمَّتي ، وأنتَ في ذلِكَ عَطشانُ لا تُسقى وظَمآنُ لا تُروى ، وهُمَ مَعَ ذلِكَ يَرجونَ شَفاعَتي ! ما لَهُم ؟ ! لا أنالَهُمُ اللَّهُ شَفاعَتي يَومَ القِيامَةِ ، فَما لَهُم عِندَ اللَّهِ مِن خَلاقٍ . حَبيبي يا حُسَينُ ، إنَّ أباكَ واُمَّكَ وأخاكَ قَد قَدِموا عَلَيَّ وهُم إلَيكَ مُشتاقونَ ، وإنَّ لَكَ فِي الجَنَّةِ دَرَجاتٍ لَن تَنالَها إلّا بِالشَّهادَةِ . قالَ : فَجَعَلَ الحُسَينُ عليه السلام يَنظُرُ في مَنامِهِ إلى جَدِّهِ صلى اللَّه عليه وآله ويَسمَعُ كَلامَهُ وهُوَ يَقولُ : يا جَدّاه لا حاجَةَ لي فِي الرُّجوعِ إلَى الدُّنيا أبَداً ، فَخُذني إلَيكَ وَاجعَلني مَعَكَ إلى مَنزِلِكَ . قالَ : فَقالَ لَهُ النّبِيُّ صلى اللَّه عليه وآله : يا حُسَينُ ، إنَّهُ لا بُدَّ لَكَ مِنَ الرُّجوعِ إلَى الدُّنيا حَتّى تُرزَقَ الشَّهادَةَ وما كَتَبَ اللَّهُ لَكَ فيها مِنَ الثَّوابِ العَظيمِ ؛ فَإِنَّكَ وأباكَ وأخاكَ وعَمَّكَ وعَمَّ أبيكَ تُحشَرونَ يَومَ القِيامَةِ في زُمرَةٍ واحِدَةٍ حَتّى تَدخُلُوا الجَنَّةَ . قالَ : فَانتَبَهَ الحُسَينُ عليه السلام مِن نَومِهِ فَزِعاً مَذعوراً ، فَقَصَّ رُؤياهُ عَلى أهلِ بَيتِهِ وبَني عَبدِ المُطَّلِبِ ، فَلَم يَكُن ذلِكَ اليَومُ في شَرقٍ ولا غَربٍ أشَدَّ غَمّاً مِن أهلِ بَيتِ الرَّسولِ صلى اللَّه عليه وآله ولا أكثَرَ مِنهُ باكِياً وباكِيَةً . وتَهَيَّأَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ عليه السلام وعَزَمَ عَلَى الخُروجِ مِنَ المَدينَةِ ، ومَضى في جَوفِ اللَّيلِ إلى قَبرِ
[١] كُبْكُبَة - بالضمّ والفتح - : الجماعة المتضامّة من الناس وغيرهم (النهاية : ج ٤ ص ١٤٤ «كبكب») .[٢] الفتوح : ج ٥ ص ١٨ ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج ١ ص ١٨٦ ؛ بحار الأنوار : ج ٤٤ ص ٣٢٧ .