الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٢٦
١٩٥٥.الملهوف عن بشير بن حذلم قالَ بَشيرٌ : فَرَكِبتُ فَرَسي ورَكَضتُ حَتّى دَخَلتُ المَدينَةَ ، فَلَمّا بَلَغتُ مَسجِدَ النَّبِيِّ صلى اللَّه عليه وآله ، رَفَعتُ صَوتي بِالبُكاءِ ، وأنشَأتُ أقولُ :
يا أهلَ يَثرِبَ لا مُقامَ لَكُم بِها
قُتِلَ الحُسَينُ فَأَدمُعي مِدرارُ
الجِسمُ مِنهُ بِكَربَلاءَ مُضَرَّجٌ
وَالرَّأسُ مِنهُ عَلَى القَناةِ يُدارُ
قالَ : ثُمَّ قُلتُ : هذا عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام مَعَ عَمّاتِهِ وأخَواتِهِ ، قَد حَلّوا بِساحَتِكُم، ونَزَلوا بِفِنائِكُم ، وأنَا رَسولُهُ إلَيكُم اُعَرِّفُكُم مَكانَهُ . قالَ : فَما بَقِيَت فِي المَدينَةِ مُخَدَّرَةٌ ولا مُحَجَّبَةٌ إلّا بَرَزنَ مِن خُدورِهِنَّ مَكشوفَةً شُعورُهُنَّ ، مُخَمَّشَةً وُجوهُهُنَّ ، ضارِباتٍ خُدودَهُنَّ ، يَدعونَ بِالوَيلِ وَالثُّبورِ ، فَلَم أرَ باكِياً ولا باكِيَةً أكثَرَ مِن ذلِكَ اليَومِ ، ولا يَوماً أمَرَّ عَلَى المُسلِمينَ مِنهُ بَعدَ وَفاةِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله ، وسَمِعتُ جارِيَةً تَنوحُ عَلَى الحُسَينِ عليه السلام وتَقولُ :
نَعى سَيِّدي ناعٍ نَعاهُ فَأَوجَعا
فَأَمرَضَني ناعٍ نَعاهُ فَأَفجَعا
أعَينَيَّ جودا بِالمَدامِعِ وأَسكِبا
وجودا بِدَمعٍ بَعدَ دَمعِكُما مَعا
عَلى مَن دَهى عَرشَ الجَليلِ فَزَعزَعا[١] وأصبَحَ أنفُ الدّينِ وَالمَجدُ أجدَعا[٢]
وإن كانَ عَنّا شاحِطَ[٣] الدّارِ أشسَعا[٤]
ثُمَّ قالَت : أيُّهَا النّاعي! جَدَّدتَ حُزنَنا بِأَبي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام ، وخَدَشتَ مِنّا قُروحاً لَمّا تَندَمِل ، فَمَن أنتَ يَرحَمُكَ اللَّهُ؟ قُلتُ : أنَا بَشيرُ بنُ حَذلَمٍ وَجَّهَني مَولايَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام وهُوَ نازِلٌ مَوضِعَ كَذا وكَذا مَعَ عِيالِ أبي عَبدِ اللَّهِ الحُسَينِ عليه السلام ونِسائِهِ . قالَ : فَتَرَكوني مَكاني وبادَروا ، فَضَرَبتُ فَرَسي حَتّى رَجَعتُ إلَيهِم ، فَوَجَدتُ النّاسَ قَد أخَذُوا الطُّرُقَ وَالمَواضِعَ ، فَنَزَلتُ عَن فَرَسي وتَخَطَّيتُ رِقابَ النّاسِ حَتّى قَرُبتُ مِن بابِ
[١] الزّعزعة : كلّ تحريك شديد (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٣٤ «زعزع») .[٢] الجَدْع : قطع الأنف ، والاُذن والشفّة ، وهو بالأنف أخصّ (النهاية : ج ١ ص ٢٤٦ «جدع») .[٣] الشَّحْط : البُعْد ، يقال : شَحِط المزار ، أي بعد (الصحاح : ج ٣ ص ١١٣٥ «شحط») .[٤] الشِّسع : طرف المكان (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٤٥ «شسع») .