الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٣٨
فَاُلقِيَت لَهُ قَطيفَةٌ عَلى حِمارٍ ، فَرَكِبَهُ ، وإنَّ رِجلَيهِ لَتَكادانِ تَخُدّانِ فِي الأَرضِ . قالَ اليَشكُرِيُّ : فَإِنَّهُ لَيَسيرُ أمامي ، إذ سَكَتَ سَكتَةً فَأَطالَها . فَقُلتُ في نَفسي : هذا عُبَيدُ اللَّهِ أميرُ العِراقِ أمسِ ، نائِمٌ السّاعَةَ عَلى حِمارٍ لَو قَد سَقَطَ مِنهُ أعنَتَهُ ، ثُمَّ قُلتُ : وَاللَّهِ ، لَئِن كانَ نائِماً لَاُنَغصَنَّ عَلَيهِ نَومَهُ ، فَدَنَوتُ مِنهُ ، فَقُلتُ : أنائِمٌ أنتَ ؟ قالَ : لا ، قُلتُ : فَما أسكَتَكَ ؟ قالَ : كُنتُ اُحَدِّثُ نَفسي . قُلتُ : أفَلا اُحُدِّثُكَ ما كُنتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفسَكَ ؟ قالَ : هاتِ ، فَوَاللَّهِ ، ما أراكَ تَكيسُ[١] ولا تُصيبُ . قالَ : قُلتُ : كُنتَ تَقولُ : لَيتَني لَم أقتُلِ الحُسَينَ . قالَ : وماذا ؟ قُلتُ : تَقولُ : لَيتَني لَم أكُن قَتَلتُ مَن قَتَلتُ . قالَ : وماذا ؟ قُلتُ : كُنتَ تَقولُ : لَيتَني لَم أكُن بَنَيتُ البَيضاءَ .[٢] قالَ: وماذا ؟ قُلتُ : تَقولُ : لَيتَني لَم أكُنِ استَعمَلتُ الدَّهاقينِ . قالَ : وماذا ؟ قُلتُ : وتَقولُ : لَيتَني كُنتُ أسخى مِمّا كُنتُ . قالَ : فَقالَ : وَاللَّهِ ، ما نَطَقتَ بِصَوابٍ ، ولا سَكَتُّ عَن خَطَأٍ . أمَّا الحُسَينُ فَإِنَّهُ سارَ إلَيَّ يُريدُ قَتلي ، فَاختَرتُ قَتلَهُ عَلى أن يَقتُلَني . وأمَّا البَيضاءُ فَإِنِّي اشتَرَيتُها مِن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُثمانَ الثَّقَفِيِّ ، وأرسَلَ يَزيدُ بِأَلفِ ألفٍ ، فَأَنفَقتُها عَلَيها ، فَإِن بَقيتُ فَلِأَهلي ، وإن هَلَكتُ لَم آسَ عَلَيها مِمّا لمَ اُعَنِّف فيهِ . وأمَّا استِعمالُ الدَّهاقينَ فَإِنَّ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرَةَ وزاذانَ فَرُوخَ وَقَعا فِيَّ عِندَ مُعاوِيَةَ حَتّى ذَكَرا قُشورَ الأَرُزِّ ، فَبَلَغا بِخَراجِ العِراقِ مِئَةَ ألفِ ألفٍ ، فَخَيَّرَني مُعاوِيَةُ بَينَ الضَّمانِ وَالعَزلِ ، فَكَرِهتُ العَزلَ ، فَكُنتُ إذَا استَعمَلتُ الرَّجُلَ مِنَ العَرَبِ ، فَكَسَرَ الخَراجَ ، فَتَقَدَّمتُ إلَيهِ أو أغرَمتُ صُدورَ قَومِهِ ، أو أغرَمتُ عَشيرَتَهُ أضرَرتُ بِهِم ، وإن تَرَكتُهُ تَرَكتُ مالَ اللَّهِ وأنَا أعرِفُ مَكانَهُ ، فَوَجَدتُ الدَّهاقينَ أبصَرَ بِالجِبايَةِ ، وأوفى بِالأَمانَةِ ، وأهوَنَ فِي المُطالَبَةِ مِنكُم ، مَعَ أنّي
[١] الكَيس : العقل (لسان العرب : ج ٦ ص ٢٠١ «كيس») .[٢] البيضاءُ : دار بالبصرة لعبيد اللَّه بن زياد بن أبيه (تاج العروس : ج ١٠ ص ١٩ «بيض») .