الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٧٤
تولّت شؤون السبايا بعد عاشوراء بجلال وثبات ، وعندما رأت الكوفيّين يبكون على أبناء الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، خاطبتهم قائلة : يا أهلَ الكوفَةِ ! يا أهلَ الخَتلِ وَالغَدرِ وَالخَذلِ وَالمَكرِ ! ألا فَلا رَقَأَتِ العَبرَةُ ولا هَدَأَتِ الزَّفرَةُ ، إنَّما مَثَلُكُم كَمَثَلِ الَّتي «نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَثًا... » ،[١] أتَدرونَ وَيلَكُم أيَّ كَبِدٍ لِمُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه وآله فَرَثتُم ؟ ! وأيَّ عَهدٍ نَكَثتُم ؟ ! وأيَّ كَريمَةٍ لَهُ أبرَزتُم ؟ ! وأيَّ حُرمَةٍ لَهُ هَتَكتُم ؟ ! وأيَّ دَمٍ لَهُ سَفَكتُم ؟ ![٢] كان لها لسان عليّ حقّاً ! وحين نطقت بكلماتها الحماسيّة ، فإنّ اُولئك الذين طالما سمعوا خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، هاهم يرونه باُمّ أعينهم يخطب فيهم ! وقال قائل : واللَّه، لم أرَ خَفِرةً[٣] قطّ أنطق منها! كأنّها تنطق وتُفرغ عن لسان عليّ عليه السلام . وكان ابن زياد قد أثمله التكبّر ، ومَرَد على الضراوة والتوحّش ، فنال من آل اللَّه ، فانبرت إليه الحوراء وألقمته حجراً بكلماتها الخالدة التي أخزته، وذلك حينما قال لها: كَيفَ رَأيتِ صُنعَ اللَّهِ بِأَخيكِ وأهلِ بَيتكِ؟ فَقالَت: ما رَأَيتُ إلّا جَميلاً، هؤلاء قَومٌ كَتبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ القَتلَ، فَبَرَزوا الى مَضاجِعِهِم، وسَيَجمَعُ اللَّهُ بَينَكَ وبَينَهُم، فَتُحاجُّ وتُخاصَمُ، فَانظُر لِمَنِ الفَلَجُ يومَئذٍ؟! هَبِلَتكَ اُمُّكَ يابنَ مَرجانَةَ.[٤] وعندما نظرت إلى يزيد متربّعاً على عرش السلطة ومعه الأكابر ومندوبو بعض البلدان - وكان يتباهى بتسلّطه ، ويتحدّث بسفاهة مهوِّلاً على الآخرين ، ناسباً قتل الأبرار إلى اللَّه - قامت إليه عقيلة بني هاشم ، فصكّت مسامعه بخطبتها البليغة العصماء . وممّا قالته فيها : أمِنَ العَدلِ - يَابنِ الطُّلَقاءِ - تَخديرُكَ حَرائِرَكَ وإماءَكَ ، وسَوقُكَ بَناتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله سَبايا ! قَد هَتَكتَ سُتورَهُنَّ ، وأبدَيتَ وُجوهَهُنَّ ، يَحدو بِهِنَّ الأَعداءُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ؟![٥]
[١] النحل : ٩٢ .[٢] راجع: ص ١٠٣٨ ح ١٥٠٥ .[٣] الخَفِر : الكثير الحياء (النهاية :ج ٢ ص ٥٣) .[٤] راجع : ص١٠٥٢ ح١٥٢٣ .[٥] راجع : ص ١١٢٦ ح ١٦٢٣ .