الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٦٦
١٥٤٤.الأمالي للصدوق عَن حُمرانَ بنِ أعيَنَ عَن أبي مُحَمَّدٍ شَيخٍ لِأَهلِ الكوفَةِ : فَلَمّا كانَ في بَعضِ اللَّيلِ أقبَلَ خَتَنُ العَجوزِ الفاسِقُ حَتّى قَرَعَ البابَ قَرعاً خَفيفاً ، فَقالَتِ العَجوزُ : مَن هذا ؟ قالَ: أنَا فُلانٌ. قالَت: مَا الَّذي أطرَقَكَ هذِهِ السّاعَةَ، ولَيسَ هذا لَكَ بِوَقتٍ ؟ قالَ : وَيحَكِ افتَحِي البابَ قَبلَ أن يَطيرَ عَقلي وتَنشَقَّ مَرارَتي في جَوفي ، جَهدُ البَلاءِ قَد نَزَلَ بي. قالَت: وَيحَكَ مَا الَّذي نَزَلَ بِكَ ؟ قالَ: هَرَبَ غُلامانِ صَغيرانِ مِن عَسكَرِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ، فَنادَى الأَميرُ في مُعَسكَرِهِ: مَن جاءَ بِرَأسٍ واحِدٍ مِنهُما فَلَهُ ألفُ دِرهَمٍ، ومَن جاءَ بِرَأسَيهِما فَلَهُ ألفا دِرهَمٍ، فَقَد اُتعِبتُ وتَعِبتُ ولَم يَصِل في يَدي شَىءٌ . فَقالَتِ العَجوزُ: يا خَتَني! اِحذَر أن يَكونَ مُحَمَّدٌ خَصمَكَ في يَومِ القِيامَةِ. قالَ لَها : وَيحَكِ إنَّ الدُّنيا مُحَرَّصٌ عَلَيها. فَقالَت: وما تَصنَعُ بِالدُّنيا ولَيسَ مَعَها آخِرةٌَ ؟ قالَ: إنّي لَأَراكِ تُحامينَ عَنهُما، كَأَنَّ عِندَكِ مِن طَلَبِ الأَميرِ شَيئاً ، فَقومي فَإِنَّ الأَميرَ يَدعوكِ. قالَت: وما يَصنَعُ الأَميرُ بي ، وإنَّما أنَا عَجوزٌ في هذِهِ البَرِّيَّةِ ؟ قالَ: إنَّما لِيَ الطَّلَبُ، اِفتَحي لِيَ البابَ حَتّى أريحَ وأستَريحَ، فَإِذا أصبَحتُ بَكَّرتُ في أيِّ الطَّريقِ آخُذُ في طَلَبِهِما. فَفَتَحَت لَهُ البابَ، وأتَتهُ بِطَعامٍ وشَرابٍ فَأَكَلَ وشَرِبَ . فَلَمّا كانَ في بَعضِ اللَّيلِ سَمِعَ غَطيطَ الغُلامَينِ في جَوفِ البَيتِ، فَأَقبَلَ يَهيجُ كَما يَهيجُ البَعيرُ الهائِجُ ، ويَخورُ كَما يَخورُ الثَّورُ، ويَلمِسُ بِكَفِّهِ جِدارَ البَيتِ حَتّى وَقَعَت يَدُهُ عَلى جَنبِ الغُلامِ الصَّغيرِ ، فَقالَ لَهُ: مَن هذا ؟ قالَ: أمّا أنَا فَصاحِبُ المَنزِلِ، فَمَن أنتُما . فَأَقبَلَ الصَّغيرُ يُحَرِّكُ الكَبيرَ ويَقولُ : قُم يا حَبيبي، فَقَد وَاللَّهِ وَقَعنا فيما كُنّا نُحاذِرُهُ . قالَ لَهُما: مَن أنتُما ؟ قالا لَهُ: يا شَيخُ! إن نَحنُ صَدَقناكَ فَلَنَا الأَمانُ ؟ قالَ: نَعَم. قالا: أمانُ اللَّهِ وأمانُ رَسولِهِ، وذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسولِهِ ؟ قالَ: نَعَم . قالا : ومُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ عَلى ذلِكَ مِنَ الشّاهِدينَ ؟ قالَ: نَعَم. قالا: وَاللَّهُ عَلى ما نَقولُ وَكيلٌ وشَهيدٌ ؟ قالَ: نَعَم. قالا لَهُ: يا شَيخُ! فَنَحنُ مِن عِترَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه وآله ، هَرَبنا مِن سِجنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ مِنَ القَتلِ. فَقالَ لَهُما: مِنَ المَوتِ هَرَبتُما، وإلَى المَوتِ وَقَعتُما، الحَمدُ للَّهِِ الَّذي أظفَرَني بِكُما . فَقامَ إلَى الغُلامَينِ فَشَدَّ أكتافَهُما، فَباتَ الغُلامانِ لَيلَتَهُما مُكَتَّفَينِ. فَلَمَّا انفَجَرَ عَمودُ الصُّبحِ، دَعا غُلاماً لَهُ أسوَدَ ، يُقالُ لَهُ: فُلَيحٌ، فَقالَ: خُذ هذَينِ الغُلامَينِ، فَانطَلِق بِهِما إلى شاطِئِ الفُراتِ،