الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٦٣
و أمّا بعد الهجرة، فمرّة بايعه في غزوة الحديبية، وسميت بَيْعة الرضوان، لقوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)[١].
و أخرى بايعته الصحابيات في مكة المكرمة بعد فتحها، وعنه يحكي قوله سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ)[٢].
إذا عرفت ذلك فلنعطف نظر الباحث إلى نكات:
الأولى ـ إنّ بيعة المسلمين للنبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لم تعن الإعتراف بزعامة الرسول ورئاسته، فضلاً عن نصبه وتعيينه، بل إنّ المبايعين، بعد أن آمنوا بنبوة النبي واعترفوا بقيادته وزعامته، وأرادوا أن يصبّوا ما يلازم ذلك الإيمان، من الإلتزام النفسي بأوامر النبي، بعد الإقرار بنبوته، وزعامته. فكأنّ النبي الأكرم يقول: «فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني، وتصلّوا وتزكّوا، وأن تدفعوا عني العدو حتى الموت، ولا تفروا من الحرب».
و الهدف عندئذ من البيعة لم يكن هو الإعتراف بمنصب المبايع، وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية، بل كانت لأجل التأكيد العملي على الالتزام بلوازم الإيمان السابق عليه، وهذا بارز في البيعة الثانية للانصار في منى، وبيعة الصحابة في غزوة الحديبية.
الثانية ـ إنّ البيعة ميثاق بين شخصين، تندرج تحت قوله سبحانه: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)[٣].
و عقد بين المبايعين، فتندرج تحت قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[١] سورة الفتح: الآية ١٨.
[٢] سورة الممتحنة: الآية ١٢.
[٣] سورة الإسراء، الآية ٣٤.