الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٩
أمورهم، فهو أول الكلام، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أو من شؤون الله سبحانه، ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتم بنصبه سبحانه تعيينه، أو إمرة وولاية شعبية، يجوز للناس التدخّل فيها. ومع هذا الترديد لا يصحّ التمسّك بالآية.
إجابة عن سؤال
لو لم تكن الشورى أساس الحكم، فلماذا استدلّ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ، على المخالف، بمبدأ الشورى، وقال: ـ مخاطباً معاوية ـ: «إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماماً، كان لله رضىً» [١].
و الجواب: إنّ ابن أبي الحديد المعتزلي هو أوّل من احتجّ بهذه الخطبة على أنّ صيغة الحكومة بعد وفاة النبي مستندة إلى الإختيار ونظام الشورى، وتبعه من تبعه، ولكنه غفل عن صدر الرسالة التي تعرب عن أنّ الإستدلال بالشورى من باب الجدل خضوعاً لقوله سبحانه: (وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ)[٢]، فإنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ بدأ رسالته بقوله: «أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنّه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر...»: ثم ختمها بقوله: «و إنّ طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردّهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون» [٣].
فالإبتداء بالكلام بخلافة الشيخين يعرب عن أنّه في مقام إسكات معاوية
[١] نهج البلاغة: قسم الكتب، الرقم ٦.
[٢] سورة النحل: الآية ١٢٥.
[٣] لاحظ وقعة صفين لنصر بن مزاحم (م ٢١٢ هـ)، ص ٢٩، ص مصر. وقد حذف الرضي في نهج البلاغة من الرسالة مالايهمه، فإنّ عنايته كانت بالبلاغة فحسب.