الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٥٨
شاور الرجال في أمورها، شاركها في عقولها» [١].
و ثانياً ـ إنّ المتبادر من الآية هو أنّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلب وجوه الرأي ويستعرض الأفكار المختلفة، ثم يأخذ بما هو المفيد في نظره، وذلك لقوله سبحانه في نفس الآية: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، المعرب عن أنّ العزم والتصميم والإستنتاج من الآراءالأخذ بما هو الأصلح راجع إلى نفس المشير، وهذا يتحقق في ظرف يكون هناك مسؤول تام الإختيار في استحصال الأفكار والعمل بالنافع منها، حتى يخاطب بقوله: (فَإِذَا عَزَمْتَ )، وأمّا إذا لم يكن ثمة رئيس، فلا تنطبق عليه الآية، إذ ليس في انتخاب الخليفة بين المشيرين من يقوم بدعوة الأفراد للمشورة، لغاية استعراض آرائهم، ثم تمحيص أفكارهم، والأخذ بالنافع منها، ثم العزم القاطع عليه.
و كل ذلك يعرب عن أنّ الاية ترجع إلى غير مسألة الحكومة وما شابهها. ولأجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.
الآية الثانية: قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)[٢].
ببيان أنّ المصدر (أمر) أضيف إلى الضمير (هُم)، وهو يفيد العموم والشمول لكل أمر، ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية أنّ شأن المؤمنين في كل مورد، شورى بينهم.
يلاحظ عليه: إنّ الآية تأمر بالمشورة في الأمر المضافة إلى المؤمنين، وأمّا أنّ تعيين الخليفة من الأمور المضافة إليهم، فهو أول الكلام، والتمسك بالآية في هذا المجال، تَمَسّك بالحكم في إثبات موضوعه.
و بعبارة أُخرى: إنّ الآية حثّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن أمورهم، أمّا كون تعيين الإمام داخلاً في
[١] نهج البلاغة، قسم الحكم، الرقم ١٦١.
[٢] سورة الشورى: الآية ٣٨.