الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٨
و لقد انبرى القرآن الكريم لفضح المنافقين والتشهير بخططهم ضدّ الدين والنبي، في العديد من السور القرآنية مثل البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والعنكبوت، والأحزاب، والفتح، والمجادلة، والحديد، والحشر، وقد نزلت في حقّهم سورة خاصة باسم المنافقين.
إنّ اهتمام القرآن بالتعرّض للمنافقين المعاصرين للنبي، المتواجدين بين الصحابة، أدلّ دليل على أنّهم كانوا قوّة كبيرة ويشكلون جماعة وافرة، ويلعبون دوراً خبيثاً، خطيراً في تعكير الصف، وإفساح المجال لأعداء الإسلام، بحيث لولا قيادة النبي الحكيمة، لقضوا على كيان الدين، وأطاحوا بصرحه.
و يكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)[١].
و قد كان محتملاً ومترقَّباً أن يتحد هذا المثلث الخطير (الفُرُس، الروم، المنافقون)، لاكتساح الإسلام واجتثاث جذوره، بعد وفاة النبي.
فمع هذا الخطر المحيق الداهم، ما هي وظيفة القائد الحكيم الذي أرسى قواعد دينه على تضحيات عظيمة، فهل المصلحة كانت تقتضي تنصيب قائد حكيم عارف بأحكام القيادة ووظائفها حتى يجتمع المسلمون تحت رايته، ويكونوا صفاً واحداً في مقابل ذاك الخطر، أو أنّ المصلحة العامة تقتضي تفويض الأمر إلى الأُمّة، حتى يختاروا لأنفسهم أميراً، مع أنّ من المعلوم أن ترك الأمر إلى الأُمّة في ذلك الوقت الحرج،، يلازم الشغب والإختلاف والتنافس الذي لم يكن لصالح الإسلام والمسلمين، في الوقت الذي يعانون فيه من وفاة النبي؟.
فأقضِ ما أنت قاض.
[١] سورة التوبة: الآية ٤٨.