الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٧
محاصرة حال وفاة النبي من جهتي الشمال والشرق، بأكبر امبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا على جانب كبير من القوة والبأس، وهما الروم وإيران ; هذا من الخارج.
و أمّا من الداخل، فقد كان الإسلام والمسلمون يعانون من وطأة مؤامرات المنافقين الذين كانوا يشكّلون جبهة عدّوانية داخلية، أشبه بما يسمّى بالطابور الخامس.
و يكفي في خطورة إمبراطورية إيران أنّه كتب ملكها إلى عامله باليمن ـ بعد ما وصلت إليه رسالة النبي تدعوه إلى الإسلام والتسليم، ومزّقها ـ: «إبعث إلى هذا الرجل بالحجاز، رجلين من عندك، جلدين، فليأتياني به» [١].
و كفى في خطورة موقف الإمبراطورية البيزنطية، أنّه وقعت إشتباكات عديدة بينها وبين المسلمين في السنة الثامنة للهجرة، منها غزوة مؤتة التي قتل فيها قادة الجيش الإسلامي وهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبدالله بن رواحه، ورجع الجيش الإسلامي من تلك الواقعة منهزماً، وقد أثارت هزيمتهم في هذه المعركة، واستشهاد القادة الثلاثة، نقمة شديدة في نفوس المسلمين تجاه الروم، ولأجل ذلك توجّه الرسول الأكرم بنفسه على رأس الجيش الإسلامي إلى تبوك في السنة التاسعة لمقابلة الجيوش البيزنطية ولكنه لم يلق أحداً، فأقام في تبوك أياماً ثم رجع إلى المدينة، ولم يكتف بهذا بل جهّز جيشاً في أُخريات أَيّامه بقيادة أسامة بن زيد، لمواجهة جيوش الروم.
و أمّا خطر المنافقين، فحدّث عنه ولا حرج، هؤلاء أسلموا بألسنتهم دون قلوبهم، وأضمروا للمسلمين كلّ سوء، وكانوا يتحينون الفرص لإضعاف الدولة الإسلامية، بإثارة الفتن الداخلية، كما كانوا يتربصون الدوائر لاغتيال النبي وقتله [٢].
[١] الكامل، للجزري، ج ٢، ص ١٤٥.
[٢] لاحظ التفاسير، في تفسير قوله سبحانه: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) (سورة التوبة: الآية ٦٥)، وكان المنافقون قد حاولوا اغتيال النبي الأكرم في العقبة، عند عودته من تبوك.