الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٥٩
توضيح ذلك أنّ الآية تحرض على أمر مشروع وهو قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، وتنهى عن مقابله، الّذي يعدّ مفهوماً للآية، فلو قلنا بأنّ المراد من السفح في الآية، هو صبّ الماء، وهو مشترك بين الدائم والمنقطع والزنا، لم يبق لقوله محصنين مصداق ومورد.
وإنْ خُصّ بالزنا، كما هو الحق، يدخل الدائم والمنقطع تحت قوله: (مُحْصِنينَ)، ويبقى الزنا تحت قوله: (مُسَافِحِينَ).
ثم إنّ الإحصان الّذي يراد منه التعفف والاجتناب عن الزنا، يحصل بالدائم والمنقطع معاً، فتخصيصه بالأول غفلة عن حقيقة العقد المنقطع.
وما في آخر كلامه من تشبيه المرأة المتمتع بها، بِكُرَة تحذف بصوالجة مختلفة، يتلقها رجل عن رجل، جسارة على التشريع الإلهي، إذ لا شك أنّ النبي الأكرم سوّغ المتعة مدة، ولو في أمد قصير، وإنّما اختلفت الأُمّة في نسخه وعدمه. وعلى فرض النسخ، اختلفوا في زمانه، فهل يصحّ لنا التعبير عن سنّة النبي، الّذي لا يصدر إلاّ عن الوحي الإلهي، بهذا الشعر المبتذل، وما هو إلاّ لضعف البصيرة وقلة المعرفة؟!
وربما يقال في تخصيص الآية بالنكاح الدائم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكوين البيت وإيجاد النسل والولد، وهو يختص بالنكاح الدائم، دون المنقطع الّذي لا يترتب عليه إلاّ إرضاء القوة الشهوية، وصبّ الماء وسفحه.
ولا يخفى أنّه خَلْطٌ بين الموضوع والفائدة المترتبة عليه، وما ذكر إنّما هو من قبيل الحكمة، وليس الحكم دائراً مدارها، ضرورة أنّ النكاح صحيح وان لم يكن هناك ذلك الغرض، كزواج العقيم واليائسة والصغيرة، بل أغلب المتزوجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع، ولا يخطر على بالهم طلب النسل أصلاً وان حصل لهم قهراً، ولا يقدح ذلك في صحة زواجهم.
ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر، مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الأولاد والإرضاع والحضانة.