الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٤٧
الإِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْرًا عَظِيًما)[١].
والاستدلال مركّز على قوله: (وَ الَّذِينَ مَعَهُ)، وهم موصوفون بأوصاف سبعة: ١ ـ أشداء على الكفار، ٢ ـ رحماء بينهم ٣ ـ تراهم ركعاً، ٤ ـ سجداً، ٥ ـ يبتغون فضلاً من الله، ٦ ـ ورضوانا، ٧ ـ سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
وكأنّ المستدل يستظهر من الآية أنّها بصدد بيان أنّ كل من كان مع النبي كان على هذه الصفات السبع الّتي لا تنفك عن العدالة، وأنّ مضمونها قضية خارجية راجعة إلى الجماعة الّتي كان الزمان والمكان يجمعانهم والنبي الأكرم.
يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ الآية على خلاف المقصود أدلّ، فإنها، وإن كانت قضية خبرية بظاهرها، ولكنها بمعنى الإنشاء، فهي بصدد أمر من كان معه على أن يكونوا بهذه الصفات، وهذا نحو قولك: «ولدي يصلي»، فهو بمعنى: «صلّ يا ولد» فالآية تُزَيّف منطق من يدّعون أن الصحابة مصونون عن كل قبيح، فهم لصحبتهم الرسول، نبراس منير، لأنّ الآية تحمل صورة رائعة عن سيرة الذين كانوا مع الرسول وأنّهم يجب أن يكونوا على هذه الصفات السبع، فيكونون في سلبيّتهم (أشداء على الكفار) مثل سلبيّته، وإيجابيتهم بين أنفسهم (رحماء بينهم) كإيجابيّته، وهكذا سائر صفاتهم من الركوع والسجود وابتغاء الفضل والرضوان. والآية وإن كانت نازلة في حق جماعة خاصة كانوا مع الرسول، ولكنها ليست قضية خبرية، بل تحمل قضية إنشائية، وطلباً وإيجاباً منهم لأن يكونوا على هذه الصفات السبع.
ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه يخصص وعد المغفرة وإعطاء الأجر العظيم. بعدة منهم، ويقول في آخر الآية: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً). وهذا التبعيض والتخصيص إيعاز إلى أنّ هذه
[١] سورة الفتح: الآية ٢٩.