الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٤٦
عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)[١].
وهذا يعرب عن أنّ بعض المبايعين كانوا على مظنة النكث بما عاهدوا وبايعوا عليه، وأن البعض الآخر كانوا على مظنة الوفاء به وإلا فلو كان الوفاء معلوماً منهم، فما معنى هذا الترديد. وليست الآية خطاباً قانونياً حتى يقال إنها من قبيل إيّاك أعني واسْمعي يا جارة، بل قضية خارجية مختصة بأُناس معينين.
ورابعاً: إنّ السُّنّة تدل على أنّ نزول السكينة كان مختصاً بمن علم منه الوفاء، وبالتالي يكون الرضا أيضاً مخصوصاً بهم.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)، قال: إنما أُنْزلت السكينة على من علم منه الوفاء»[٢].
وخامساً: إنّ الرضا تعلق بالمؤمنين. ومن المعلوم أنّه بايع النبي في غزوة الحديبية جماعة من المنافقين أيضاً، بلا خلاف. وبما أنهم كانوا مختلطين غير متميزين فلا يحكم على كل واحد بالرضا والعدالة، إلاّ إذا ثبت أنه مؤمن غير منافق.
وكيف يمكن أنْ يكون للآية عموم أفرادي وأزماني يعمّ جميع المبايعين إلى آخر أعمارهم، مع أنّ طلحة والزبير ممن بايعا بيعة الرضوان، وقد وقع منهما من قتال عليٍّ ما خرجا به عن الإيمان وفسقا عند جمع من المسلمين، كالمعتزلة ومن جرى مجراهم، ولم يمنع وقوع الرضا في تلك الحال من وقوع المعصية فيما بعد، فماذا الّذي يمنع من مثل ذلك في غيرهم[٣].
الآية الثانية: قوله سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانًا سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي
[١] سورة الفتح: الآية ١٠.
[٢] الدر المنثور، ج ٦، ص ٧٣.
[٣] لاحظ التبيان، ج ٩. ص ٣٢٩.