الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣٦
رحلة الشتاء ورحلة الصيف، فوضعها الله عنكم بنا، مِنّةً عليكم»[١].
نعم الرزية كل الرزية تقية المسلم من المسلم، وخوف الأخ من أخيه، ولولا الظلم الّذي أوْرَدَتْه طائفة منهم على الأُخرى، لما احتاجت إلى التقية، فلا ذنب للشيعة حينئذ. ولو سادت الحرية في العالم الإسلامي على الطوائف الإسلامية كلها، لما كان هناك وجه لتقية الأخ من الأخ، ولكن للأسف إنّ السلطة رأت أنّ مصالحها لا تقوم إلا بالضغط على الشيعة ليتركوا عقيدتهم وعملهم ويذوبوا في الطوائف الإسلامية الأُخرى، فما ذنب الشيعة عندئذ من أنّ تَتّقي السلطة وجلاوزتها وتتظاهر على خلاف ما تعتقد لئلا يقتلوا أو يصلبوا، أو تهتك أعراضهم أو تنهب أموالهم.
وكم شهدت أوساط الشيعة من مجازر عامة بيد السلطات الغاشمة، فقُتِل الآلاف منهم بلا ذنب إلا اتّباعهم لأئمة أهل بيت نبي الإسلام، واقتفائهم آثارهم. ونكتفي من ذلك بكلمة موجزة ـ لكي لا نخرج عن موضوع البحث ـ تُصَوِّر جانباً من تلك الجرائم الفظيعة.
لم يفتأ شيخ الشيعة، أبو جعفر الطوسي، إمام عصره وعزيز مصره بغداد، حتى ثارت القلاقل وحدثت الفتن بين الشيعة والسنة، ولم تزل تنجم وتخبو بين الفينة و الفينة، حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بك أول القادة السلجوقيين، فورد بغداد، عام ٤٤٧، وشنّ على الشيعة حملة شعواء وأمر بإحراق مكتبة الشيعة الّتي أنشأها أبو نصر، وزير بهاء الدولة البُوَيْهي، وكانت من دور العلم المهمة في بغداد، بناها هذا الوزير في محلة بين السورَيْن، في الكرخ، عام ٣٨١، على مثال بيت الحكمة الّذي بناه هارون الرشيد. وكانت مهمة للغاية فقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس والعراق واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار، ومهام الأسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين قال ابن الجوزي في حوادث سنة ٤٤٨: «وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره»، ثم قال في حوادث سنة ٤٤٩: «وفي
[١] الغدير، ج ١٠، ص ١٦٠ ـ ١٦١ لاحظ المصدر هناك.