الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣١
منهم بشرط أنْ يكون القلب مطمئناً بالإيمان. فلو كانت مداراة الكافرين في بعض الظروف نفاقاً، فلم رخّصه الإسلام وأباحه، وقد اتفق المفسرون على أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمُّه سُمية، وقتل أبو عمار وأُمُّه، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه. ثم أخبر سبحانه بذلك رسول الله، فقال قومٌ كَفَرَ عمار، فقال صلوات الله عليه وآله: «كلاّ، إنّ عماراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه». وجاء عمار إلى رسول الله وهو يبكي، فقال: «ما ورَاءَكَ»؟ فقال: «شَرٌ يا رسول الله، ما تُركْتُ حتى نِلْتُ مِنْكَ، وذكرت آلهتهم بخير». فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: «إنْ عادوا لك فَعُدْلَهُمْ بما قُلْتَ» فنزلت الآية[١].
نعم، شذت عن المسلمين جماعة الخوارج فمنعوا التقية في الدين مطلقاً، وإن أُكره المؤمن وخاف القتل، زاعمين أنّ الدين لا يُقدّم عليه شيء[٢].
وما ذكروه اجتهاد في مقابل النص، فإنّ الآية تصرح بأنّ من نطق بكلمة الكفر مُكْرَهاً، وقايةً لنفسه من الهلاك، لا شارحاً بالكفر صدراً ولا مستحسناً للحياة الدنيا على الآخرة، لا يكون كافر بل يُعذّر، كما عُذّر الصحابي الّذي قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أنّي رسول الله، قال:نعم، فتركه، وقَتَلَ رفيقه الّذي سأله هذا السؤال ورفضه[٣].
كيف، وربما يترتب على التقية ومجاراة أعداء الدين ومخالفي الحق، حفظ مصالح الإسلام والمسلمين. وبذلك يظهر الفرق بين النفاق والتقية، فإن بين الأمرين فرقاً جوهرياً لا يخلط أحدهما بالآخر.
إنّ التقية والنفاق يختلفان من وجهين، وربما يكون الفرق أكثر من ذلك، ولكن نكتفي بهما:
[١] مجمع البيان، ج ٣، ص ٣٨٨، ونقله غير واحد من المفسرين.
[٢] المنار، ج ٣، ص ٢٨٠.
[٣] المصدر السابق، ص ٢٨١.