الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣٠
ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللهِ الْمَصِيرُ)[١].
فقوله: (إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا)، استثناء من أهم الأحوال، أي إنّ ترك موالات الكافرين حتم على المؤمنين في كل حال، إلا في حال الخوف من شيء يتّقونه منهم، فللمؤمنين حينئذ أنْ يوالوهم بقدر ما يُتّقى به ذلك الشيء، لأنّ درء المفاسد مُقَدّم على جلب المصالح.
والاستثناء منقطع، فإنّ التقرب من الغير خوفاً بإظهار آثار التولّي ظاهراً، من غير عقد القلب على الحب والولاية، ليس من التولّي في شيء. لأنّ الخوف والحُبّ أمران قلبيّان، ومتنافيان أثراً في القلب، فكيف يمكن اجتماعهما. فاستثناء الإتقاء استثناء منقطع.
فلو كانت التقية من فروع النفاق، فلماذا دعا إليها الكتاب الحكيم؟
روى السيوطي في الدرّ المنثور قال: أخرج إبن إسحاق وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كان الحَجّاج بن عمرو، حليف كعب الأشرف، ابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، وقد بطنوا بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة لأُولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من اليهود، واحذروا مباطنتهم لا يفتنونكم عن دينكم. فأبى أُولئك النفر، فأنزل الله فيهم: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ)إلى قوله (واللهَ عَلَى كُلِّ شَىء قَدِيرٌ)[٢].
وقال سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَ لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[٣]. فترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كُرْهاً، ومجاراة الكافرين خوفاً
[١] سورة آل عمران: الآية ٢٨.
[٢] الدرّ المنثور، ج ٢، ص ١٦.
[٣] سورة النحل: الآية ١٠٦.