الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٣
لمّا نزلت هذه الآية على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولم يعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل بعدها زيادة ولا نسخ وتبديل البتة. وكان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي عن قرب وفاته، وذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً» [١].
و ما ذكره يؤيّد كون النزول يوم الغدير، أعني يوم الثامن عشر من ذي الحجة، لأنّه لو فرض كون الشهور الثلاثة (ذي الحجة، ومحرم، وصفر) ناقصة، لكانت وفاته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد واحد وثمانين يوماً، ولو كان الشهران (محرم وصفر) ناقصان، لانطبق على الإثنين والثمانين يوماً، كل ذلك بملاحظة ما اتّفقت عليه كلمة الجمهور من أنّ النبي توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول.
و العجب أنّ الرازي غفل عن هذه الملازمة، وأنّه لم يجتمع مع نزولها يوم عرفة.
فعلى ذلك لا يصحّ تفسير الدين بالأحكام، ولا الإكمال بالبيان. وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال إنّ المراد من الدين هو أصوله، والمراد من الإكمال ، تثبيت أركانه، وترسيخ قواعده، وذلك أنّ الكفار، خصوصاً المستسلمين منهم، كانوا يتربصون بالنبي الدوائر، فإنّهم كانوا ينظرون إلى دعوته بأنّها ملك في صورة النبوة، وسلطنة في ثوب الرسالة، فإن مات أو قتل، ينقطع أثره ويموت ذكره، كما هو المشهور عادة، من حال السلاطين، وكان الكفار يعيشون هذه الأحلام والأماني التي تعطيهم الرجاء في إطفاء نور الدين، وعفّ آثاره عبر الأيام.
غير أنّ ظهور الإسلام، تدريجياً، وغلبته على الكفار والمشركين، بدّد أحلامهم بالخيبة، فيئسوا من التغلّب على النبي ودعوته، فلم يبق له إلاّ حلم واحد، وهو أنّه لا عقب له يخلفه في أمره، فيموت دينه بموته. وكان هذا الحلم يتغلغل في أنفسهم، إلاّ أنّ الخيبة عمّتهم لما شاهدوا خروج الدين عن مرحلة
[١] تفسير الرازي، ج ٣، ص ٣٦٩.