الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤١٤
يَشَاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)[١].
وجه الاستدلال بهذه الآية على أن رحمته تشمل غير التائب من الذنوب، أنه سبحانه نفى غفران الشرك دون غيره من الذنوب. وبما أن الشرك يغفر مع التوبة، فتكون الجملتان ناظرتين إلى غير التائب. فمعنى قوله:(إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)، أنّه لا يغفر إذا مات من أشرك بلا توبة. كما أن معنى قوله: (وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، أنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين، ولو كانت سائر الذنوب، مثل الشرك، غير مغفورة إلا بالتوبة، لما حسن التفصيل بينهما، مع وضوح الآية في التفصيل[٢].
وقد أوضح القاضي دلالة الآية على ما يتبناه الجمهور بوجه رائع، ولكنه ـ تأثراً بعقيدته الخاصة في الفاسق ـ قال: «إنّ الآية مجملة مفتقرة إلى البيان، لأنّه قال: «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء»، ولم يبين من الّذي يغفر له. فاحتُمل أن يكون المراد به أصحاب الصغائر، واحتُمل أن يكون المراد أصحاب الكبائر، فسقط احتجاجهم بالآية»[٣].
أقول: عزب عن القاضي أن الآية مطلقة، تعم كلا القسمين، فأيّ إجمال في الآية حتى نتوقف. والعجب أنه يتمسك بإطلاق الطائفة الأُولى من الآيات، ولكنه يتوقف في إطلاق هذا الصنف.
نعم، دفعاً الإغراء، وقطعاً لعذر الجاهل، قَيّد سبحانه غفرانه بقوله: (لمن يشاء)، حتى يصد العبد عن الارتماء في أحضان المعصية بحجة أنه سبحانه وعده بالمغفرة.
ثم إنّ القاسم بن محمد بن علي الزيدي العلوي المعتزلي، تبع القاضي في تحديد مداليل هذه الآيات وقال: «آيات الوعيد لا إجمال فيها، وهذه الآيات ونحوها مجملة، فيجب حملها على قوله تعالى: (وَ إنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ
[١] سورة النساء: الآية ٤٨.
[٢] مجمع البيان، ج ٢، ص ٥٧ بتلخيص.
[٣] شرح الأصول الخمسة، ص ٦٧٨.