الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤١٣
١ ـ قوله سبحانه: (وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ)[١].
قال الشريف المرتضى: «في هذه الآية دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة لأنه سبحانه دلّنا على أنه يغفر لهم مع كونهم ظالمين، لأن قوله (على ظلمهم)(جملة حالية)، إشارة إلى الحال الّتي يكونون عليها ظالمين، ويجري ذلك مجرى قول القائل: أنا أودّ فلاناً على غدره، وأَصِلُهُ على هجره»[٢].
وقد قرر القاضي دلالة الآية وأجاب عنها بأن الأخذ بظاهر الآية ممّا لا يجوز بالاتّفاق، لأنّه يقتضي الإغراء على الظلم، وذلك ممّا لا يجوز على الله تعالى، فلا بد من أن يؤوّل، وتأويله هو أنه يغفر للظالم على ظلمه إذا تاب[٣].
يلاحظ عليه: إنّ ما ذكره من الإشكال، جار في صورة التوبة أيضاً، فإن الوعد بالمغفرة مع التوبة يوجب تمادي العاصي في المعصية، برجاء أنه يتوب. فلو كان القول بعدم خلود المؤمن موجباً للإغراء، فليكن الوعد بالغفران مع التوبة كذلك.
والّذي يدل على أن الحكم عام للتائب وغيره هو التعبير بلفظ «الناس» مكان «المؤمنين» فلو كان المراد هو التائب، لكان المناسب أن يقول سبحانه: «وإنّ ربَّك لذو مغفرة للمؤمنين على ظلمهم»، مكان قوله: «للناس». وهذا يدل على أن الحكم عام يعم التائب وغيره.
إن هذه الآية تَعِدُ الناس بالمغفرة، ولا تذكر حدودها وشرائطها فلا يصح عند العقل الاعتماد على هذا الوعد وارتكاب الكبائر، فإنّه وعد إجمالي غير مبين من حيث الشروط والقيود.
٢ ـ قوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
[١] سورة الرعد: الآية ٦.
[٢] مجمع البيان، ج ٣، ص ٢٧٨.
[٣] شرح الأصول الخمسة، ص ٦٨٤.