الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠٠
الحيثية تعيّن، ولا يلزم من كون بدن زيد مثلاً محشوراً أنْ يكون الجسم الّذي منه صار مأكولاً لسبع أو إنسان آخر، محشوراً، بل كلّ ما يتعلّق به نفسه هو بعينه بدنه الّذي كان. فالاعتقاد بحشر الأبدان يوم القيامة هو أنْ تُبعثَ أبدانٌ من القبور إذا رأى أحد كلّ واحد منها يقول هذا فلان بعينه، أو هذا بدن فلان، ولا يلزم من ذلك أن يكون غير مبدّل الوجود والهوية. كما لا يلزم أن يكون مشوَّه الخَلْق وأن يكون الأقطْع والأعمى والهَرِم محشوراً على ما كانوا عليه من نقصان الخلقة وتشويه البنية»[١].
ثم إن للمتكلمين جواباً آخر في الذب عن هذه الصورة من الإشكال حاصله أنّ المُعاد، إنما هو الأجزاء الأصلية، وهي الباقية من أول العمر إلى آخره، لا جميع الأجزاء على الإطلاق، وهذه الأجزاء الأصلية، الّتي كانت للإنسان المأكول، هي في الآكل فضلات، فإنا نعلم أنّ الإنسان يبقى مدة عمره وأجزاء الغذاء تتوارد عليه وتزول عنه، فإذا كانت فضلات فيه، لم يجب إعادتها في الآكل بل في المأكول[٢].
ويظهر من المحقق الطوسي ارتضاؤه حيث يقول: «ولا يجب إعادة فواضل المكلف». وأوضحه العلامة الحلي بقوله: «إن لكلّ مكلف أجزاء أصلية لا يمكن أنْ تصير جزءاً من غيره، بل تكون فواضل من غيره لو اغتذى بها»[٣].
وما ذكروه خال عن الدليل، إذ لم يدلّ دليل على أنّ لكل مكلف أجزاء أصلية لا تكون جزءاً لبدن غيره.
نعم، ورد في بعض الروايات، ولكنها روايات آحاد، لا توجب علماً، فلو ثبت صدورها، فَلْيُقْبَل تعبداً[٤].
إلى هنا تم الجواب عن الصورة الأُولى من الإشكال.
[١] الأسفار، ج ٩، ص ٢٠٠.
[٢] شرح المواقف، ج ٨ ص ٢٩٦.
[٣] كشف المراد، ص ٢٥٦، ط صيدا.
[٤] لاحظ بحار الأنوار، ج ٧، باب إثبات الحشر، الحديث ٢١، ص ٤٣.