الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠
عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي...)[١].
و هذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان صاحب علم من الكتاب، ومن المعلوم أنّ هذا العلم لم يحصل له من الطرق العادية التي يدرج عليها الأولاد و الشبّان في الكتاتيب والمدارس، وإنّما هو علم إلهي احتضنه بلياقته وكفاءته، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي).
و الشاهد على رسالة النبي، إلى جانب شهادته سبحانه، الذي يقول سبحانه في شأنه: (وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)[٢].
و السورة مكية على مايدلّ عليه سياق آياتها، ونقل عن الكلبي أنّه قال: «إنّها مكية إلاّ هذه الآية»، ويدفعه أنّها مختتم السورة، قوبل بها ما في مفتتحها، أعني قوله سبحانه: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)[٣]، فيبعد جداً يفرق أن بين المتقابلين بأعوام.
فعندئذ يجب الإمعان في هذا الشاهد الذي عطفه سبحانه على نفسه، وعدّه شاهداً على رسالة النبي كشهادة نفسه سبحانه. أفيصحّ أن يقال إنّ المراد، القوم الذين أسلموا في المدينة، كعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وسلمان الفارسي، مع أنّ الآية نزلت في مكّة؟.
على أنّ عطف هؤلاء في الشهادة على الله سبحانه، لا يخلو من غموض وإبهام. فلابدّ أن يكون المراد من الشاهد هنا إنساناً مثالياً، كان موجوداً في مكة، وهو أعلم الناس بالكتاب، حتى يصحّ أن يجعل عدلاً آخر للشهادة، ولا يكون هذا الإنسان إلاّ من تربّى في حجر النبوة وحضنها، وتحمّل علومها، بتعليم غيبي إلهي، لا بتعليم بشري عادي.
[١] سورة النمل، الآية ٤٠.
[٢] سورة الرعد: الآية ٤٣.
[٣] سورة الرعد: الآية ١.