الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٩٧
وقبل الورود في الجواب نعلّق على هذا السؤال بأنه لا يختص بما ورد فيه من أكل إنسان إنساناً، الّذي لا يتفق حصوله إلاّ في أعماق الأدغال، والمجتمعات الوحشية، بل السؤال يرجع إلى أمر يومي ملموس في المجتمعات المتحضرة، وذلك أنّ النباتات والثمار والحُبوب الّتي يتغذّى عليها الإنسان تنبت من تراب الأرض، الّذي هو مزيح رفات الأموات الذين قضوا عبر الدهور، والّذي هو عصارة الأبدان وخلاصتها.
ونحن نرى أنّ المقابر الواقعة في أكناف البلاد تتبدل إلى حدائق للتفرج والتنزه أو إلى مزارع للاستثمار، فيتغذى منها الحيوان والإنسان، فيؤول بدن الإنسان الميت، جزءاً من الإنسان الحي، فعندئذ يطرح السؤال المتقدم.
الجواب:
إنّ هذه أقوى شبهة تعترض القول بالمعاد الجسماني، ونحن نذكر أولاً ما هو الحق عندنا في الإجابة، ثم نشير إلى ما ذكره المتكلمون في ذلك:
أما الصورة الأُولى من الإشكال، فبعض احتمالاتها ساقط جداً، وهو عود المأكول جزء لكلا الإنسانين، فيبقى الاحتمالان الآخران، وبأي واحد منهما أخذنا يندفع الإشكال، وذلك بالبيان التالي:
إنّ الإنسان من لدن تكوّنه وتولده إلى يوم وفاته واقع في مهب التغير وخضم التبدل، فليس وجوده جامداً خالياً عن المتبدل. فبدن الإنسان ليس إلا خلايا لا يحصيها إلا الله سبحانه، وكل منها يحمل مسؤوليته في دعم حياة البدن، والخلايا