الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٨٨
و هذا نظير تعذيب بعض المجرمين باكسائهم ثوباً ليمسهم العذاب من طريقه، فالمضروب ظاهراً هو اللباس، و لكن المتألم هو الانسان.
و بعبارة أخرى: إن الروح هي الرابط الوثيق بين جميع الأبدان، فهي تضفي عليها جميعها وصف الوحدة، و تعرّفها جميعاً بأنها فلان به فلان، من دون أن يضر اختلافها في الهيئة والشكل و الحجم بوحدة الانسان، هذا و ربما يتخيّل أنّ المعاد هو البدن الأخير، الّذي هو عصارة جميع الأبدان الماضية، و الجامع لعامة خصوصياتها. و لكن غير خفيّ أنّ هذا الاصل المزعوم (و هو كون البدن الأخير، عصارة الأبدان المتقدمة) مما لا أصل له، لأنّ الأبدان في الفترات المتوسطة من العمر، لها من القوة و النشاط ما تفقده الأبدان الواقعة في العقود الأخيرة من العمر. أضف إلى ذلك أن الجواب مبني على إعطاء الأصالة للمادة، و زعم أنّ الانسان هو نفس الجلود و اللحوم و العظام و أن البدن الأخير عصارة كلّ ما تقدّم.
نعم، ربما يستظهر من قوله سبحانه: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِنَ الاَْجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ)[١] أنّ المعاد هو البدن الأخير، و لكنّ الاستظهار في غير محله فانّ الآية كناية عن خروج الناس من التراب للحساب و الجزاء نظير قوله تعالى: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)[٢]. و أما كون الخارج هو البدن الأخير فليست الآية بصدد بيانه.و الشاهد على ذلك أنّ من الناس من يخطفه الطير، أو تفترسه السباع، أو يحيط به الموج فتأكله حيتان البحر، أو تصيبه نار فتحرقه، و الآية تعم هذه الأصناف أيضاً، مع أنهم لم يقبروا في الأجداث.
[١] سورة يس: الآية ٥١.
[٢] سورة طه: الآية ٥٥.