الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٠
أدلة مُثْبتي الإحباط
استدل القاضي على ثبوت الاحباط بوجه عقلي فقال: «قد ثبت أنّ الثواب و العقاب يستحقان على طريق الدوام، فلا يخلو المكلّف إما أن يستحق الثواب فيثاب، أو يستحق العقاب فيعاقب، أو لا يستحق الثواب و لا العقاب، فلا يثاب و لا يعاقب، أو يستحق الثواب و العقاب، فيثاب و يعاقب دفعة واحدة، أو يؤثر الأكثر في الأقل على ما نقوله.
و لا يجوز أن لا يستحق الثواب و لا العقاب، فإن ذلك خلاف ما اتفقت عليه الأُمة و لا أن يستحق الثواب و العقاب معا فيكون مثاباً و معاقباً دفعة واحدة، لأن ذلك مستحيل، و المستحيل مما لا يستحق. فلا يصح إلا ما ذكرناه من أنّ الأقل يسقط بالأكثر. و هذا هو الّذي يقوله الشيخان أبو علي و أبوهاشم و لا يختلفان فيه، و إنّما الخلاف بينهما في كيفية ذلك.[١]
يلاحظ عليه: إنّه مبني على أنّ استحقاق العقاب على وجه الدوام، و هو مبني على أنّ مرتكب الكبيرة مُخلّد في النار، و بما أنّ الأساس باطل، فيبطل ما بني عليه، فلا دليل على دوام استحقاق العقاب. و على ذلك فالحصر غير حاصر، و انّ هنا شقا سادساً ترك في كلامه، و هو أنّه يستحق الثواب و العقاب معاً لكن لا دفعة واحدة، بل يعاقب مدة ثم يخرج من النار فيثاب بالجنة على ما عليه جمهور المسلمين. و قد نقل القاضي عبد الجبار، وجهاً عقلياً آخر للإحباط عن الشيخ أبي علي و أجاب عنه، فلاحظ[٢].
[١] شرح الأُصول الخمسة، ص ٦٢٥. و ترك تعليل الوجه الأول (و هو ان يستحق الثواب فقط) والثاني (وهو أن يستحق العقاب فقط)، لوضوحه.
[٢] شرح الأُصول الخمسة، ص ٦٣٠ ـ ٦٣١ و حاصل هذا الدليل انّ المكلّف، بارتكاب الكبيرة تخرج نفسه من صلاحية استحقاق الثواب و هو كماترى دعوى بلا دليل اذ لا دليل على أنّ كل معصية لها هذا الشأن، و ليست كل معصية كالكفر و الارتداد و النفاق.