الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٦
يكون بمنزلة من لم يسيء. وإن تساويا يكون مساوياً لمن يصدر عنه أحدهما، وهو نفس الظلم[١].
يلاحظ عليه: إنّ الإحباط إنما يعدّ ظلماً، ويشمُلُه هذا الدليل، إذا كان الأكثر من الإساءة مؤثراً في سقوط الأقل من الطاعة بالكلية، من دون أن تؤثر الطاعة القليلة في تقليل الإساءة الكثيرة، كما عليه أبو علي الجبائي. وأما على القول بالموازنة، كما هو المحكي عن ابنه أبي هاشم، فلا يلزم الظلم، وصورته أنْ يأتي المكلَّف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب، وبمعصية استحق عليها عشرين جزءاً من العقاب، فلو قلنا بأنّه يَحْسُن من الله سبحانه أن يفعل به عشرين جزءاً من العقاب، ولا يكون لما استحقه من الطاعة أيّ تأثير، للزم منه الظلم. وأما إذا قلنا بأنه يقبح من الله تعالى ذلك، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلا عشرة أجزاء، وأما العشرة الأُخرى فإنها تسقط بالثواب الّذي استحقه على ما أتي به من الطاعة، فلا يلزم ذلك.
يقول القاضي عبد الجبار، بعد نقل مذهب أبي هاشم: «وَلَعَمْرِي إنه القول اللائق بالله تعالى، دون ما يقوله أبو علي، والّذي يدل على صحته هو أنّ المكلّف أتى بالطاعات على الحد الّذي أُمر به، وعلى الحد الّذي لو أتى به منفرداً عن المعصية لكان يستحق عليها الثواب، فيجب أن يستحق عليها الثواب، وإن دَنّسها بالمعصية، إلا أنّه لا يمكن والحالة هذه أن يوفر عليه، على الحد الّذي يستحقه، لا ستحالته، فلا مانع من أن يزول من العقاب بمقداره، لأنّ دفع الضرر كالنفع في أنّه ممّا يعد في المنافع».
ثم قال: «فأمّا على مذهب أبي علي فيلزم أنْ لا يكون قد رأى صاحب الكبيرة، شيئاً ممّا أتى به من الطاعات، وقد نصّ الله تعالى على خلافه»[٢].
والأولى أنْ يُسْتَدَلّ على بطلان الإحباط بأنه يستلزم خُلف الوعد إذا كان الوعد منجزاً، كما هو في محل النزاع، وأما إذا كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان
[١] كشف المراد، ص ٢٦٠.
[٢] شرح الأُصول الخمسة، ص ٦٢٩.