الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٥
هذا، وإنّ القائلين بالإحباط اختلفوا في كيفيته، فمنهم من قال بأنّ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنات القليلة، وتمحوها بالكليّة، من دون أن يكون لها تأثير في تقليل الإساءة، وهو المحكي عن أبي علي الجُبائي.
ومنهم من قال بأن الإحسان القليل يسقط بالإساءة الكثيرة ولكنه يؤثر في تقليل الإساءة، فنيقص الإحسان من الإساءة، فيُجزَى العبد بالمقدار الباقي بعد التنقيص، وهو المنسوب إلى أبي هاشم.
وهناك قول آخر في الإحباط، وهو عجيب جداً حكاه التفتازاني في شرح المقاصد، وهو أنّ الإساءة المتأخرة تحبط جميع الطاعات، وإن كانت الإساءة أقل منها، قال: حتى ذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات[١].
وعلى هذا ففي الإحباط أقوال ثلاثة:
١ ـ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة من دون تأثير في تقليل الإساءة.
٢ ـ الإساءة الكثيرة تسقط الحسنة القليلة، مع تأثير الإحسان في تقليل الإساءة.
٣ ـ أنّ الإساءة المتأخرة عن الطاعات، تبطل جميع الطاعات من دون ملاحظة القلّة والكثرة.
إذا عرفت موضع النزاع في كلام القوم، فلننقل أدلة الطرفين:
أدلة نفاة الإحباط
استدل النافون بوجهين: عقلي ونقلي.
أما الوجه العقلي، فهو أنّ القول بالإحباط يستلزم الظلم، لأن من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر، يكون بمنزلة من لم يُحسن. وإنْ كان إحسان أكثر،
[١] شرح المقاصد، ج ٢، ص ٢٣٢.