الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٩
الصالحون. فعَطْفُ هذا على ذلك،جَوْر في القضاء، و عناد في الاستدلال. و أما الاستدلال بالآية الثانية، فهو ضعيف من وجهين:
الأوّل: إنّ الآية على خلاف ما يدّعيه أدلّ، لأنّ عطف (وَيَقولونَ)، على قوله: (وَيَعبدون)، دليل على أنّ العمل الثاني ليس عبادة، أخذاً بحكم العطف الدال على المغايرة. و بعبارة أخرى: إنّ المشركين كانوا يقومون بعملين، العبادة أوّلا، و قولهم هم شفعاؤنا، و طلب الشفاعة منهم ثانياً، و علة اتّصافهم بالشرك هو الأوّل لا الثاني.
الثاني: لو فرضنا أنّ الجملة الثانية، جملة تفسيرية للأُولى، فنقول: إنّ توصيف طلب الشفاعة من الأوثان بالعبادة لا يستلزم توصيف طلب الشفاعة من الأولياء بها أيضاً، لما عرفت من الاختلاف في العقيدة، و أنّ الشافعين كانوا عند عَبَدَةِ الأصنام آلهة، و عند المؤمنين عباداً صالحين، و أين هذا من ذلك؟!
الوجه الثالث:
إن طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام، فإن ذلك دعاء لغير اللّه، و هو حرام
قال سبحانه: (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا)[١].
و يدل على أنّ الدعاء في الآية عبادة، قوله سبحانه: (ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[٢]. فقد عبّر عن العبادة في الآية بلفظ«الدعوة» في صدرها، و بلفظ العبادة في ذيلها، و هذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى. و قد ورد عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «الدعاء مخ العبادة».
[١] سورة الجن:الآية ١٨ .
[٢] سورة غافر: الآية ٦٠ .