الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٢
و اما حلاً:
فالاشكال ينبع من تصور خاطئ و هو اعتقاد كون الشفاعة مطلقة غير مشروطة بشيء فيكون للانسان عند ذاك ان يفعل ما يريد تعويلاً عليها و لكنك عرفت ان الشفاعة محدودة، وتشمل بعض العباد وهم الذين لم تنقطع علاقتهم بالله سبحانه و باوليائه ومثل هذه الشفاعة لا تبعث على الجرأة بل تبعث أملاً في نفس العاصي وتدفعه الى الاحتفاظ بعلاقته و لا ينسفها من رأس .
ان الشفاعة التّي نطق بها القرآن ليست أمراً مطلقاً من كل قيد و شرط فان الشفاعة مقيدة بإذنه سبحانه أوّلاً و كون المشفوع له مرضياً عند الله ثانياً و ليس من الممكن ان يذعن المجرم بانه ممن يشمله اذنه سبحانه و رضاه.
قال سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)[١].
و قال سبحانه: (وَ لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى)[٢].
فليس في وسع أحد أن يدّعي انه من العباد المرضيين، ثم يعتمد على ادعائه و يتمادى في العصيان.
و هناك وجه آخر لكون الشفاعة محدودة، و هو ابهامها من حيث الجرم، فلا يعلم أي جرم تشمله الشفاعة و أيّه لا تشمله. كما أنها مبهمة من حيث وقت القيامة فللعصاة و الطغاة مواقف مختلفة و هي مواقف رهيبة ومخيفة تهز القلوب و لم يعين وقت الشفاعة.
و هذه الابهامات الثلاثة تصد المجرم عن الاعتماد على الشفاعة ليتمادى في المعصية و غاية ما يمكن ان يقال في الشفاعة أنها بصيص من الرجاء و نافذة من الامل فتحها القرآن في وجه العصاة حتى لا ييأسوا من روح الله.
[١] سورة البقرة: الآية ٢٥٥ .
[٢] سورة الأنبياء: الآية ٢٨ .