الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٥
على القبائح المحتفة بما يوجد الندم في النفس دون الأُخرى. ولو اشتركت جميع القبائح في قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم عليها جميعاً، و لم يصح الندم على البعض دون الآخر.[١]
و هذا يلمسه الانسان في حياة المجرمين، فربما يحضر عاص أندية الوعظ والارشاد، فيستمع إلى الخطيب، يندد ببعض المعاصي كشرب الخمر، و أكل الربا، و يذكر قبحهما وشناعتهما، و ما يترتب عليهما من إشاعة البغضاء في المجتمع، فيحصل في نفسه داع قوي يدفعه إلى ترك هذين القبيحين، و في الوقت نفسه قد لا يجد داعياً لترك غيرهما من المعاصي التّي اعتاد عليها، كالغيبة لا لأنه لا يراها قبيحة، بل لأنها لم تحتف بما يوجد داعي الندم في نفسه، بخلاف الأولين، فجميعها، اذن تشترك في القبح و الشناعة، غير أنّ الأوّلين يتميزان بوجود الداعي إلى التوبة عنهما فتاب، دون الآخر.و بذلك يظهر الجواب عما ذكره أبوهاشم من أنّه إذا كانت توبته عن بعض القبائح لأجل قبحها، فهو موجود في البعض الآخر أيضاً، فلم تاب عن الأُولى دون الأُخرى؟ وجه الجواب أنّ الكل يشترك في القبح، لكن ترك البعض دون الآخر، لا لأجل اعتقاده أنّ واحداً قبيح دون الآخر، بل إنه يعتقد بقبحهما، و لكن الداعي للتوبة موجود في أحدهما دون الآخر. و لقد أحسن المحقق الطوسي، حيث قال: التحقيق أنّ ترجيح الداعي إلى الندم على البعض يبعث عليه خاصة، و ان اشترك الداعي في الندم على القبيح لقبحه، كما في الدواعي إلى الفعل. و لو اشترك الترجيح، اشترك وقوع الندم، فلا يصح الندم[٢]و مما يوضح ذلك أنّه لو أسلم يهودي و رجع عن كفره، نادماً على ما مضى من عمره، و لكنه بقي مصراً على صغيرة من الصغائر، فلو قلنا بأنّ التوبة من
[١] لاحظ كشف المراد، ص ٢٦٥ ـ ٢٦٦ ط صيدا.
[٢] كشف المراد، ص ٢٦٠، ط صيدا.