الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢١
يلاحظ عليه: إنّ الآية وردت في شأن المنافقين، فانهم كانوا يتركون النبي ويرجعون في دعاويهم إلى الأحبار، و هم مع ذلك يدّعون الايمان و الاذعان و التسليم للنبي. فنزلت الآية بأنه لا يقبل منهم ذلك الادّعاء حتى يرى أثر الايمان في حياتهم، و هو تحكيم النبي في المرافعات، و التسليم العملي أمام قضائه، و عدم إحساسهم بالحرج، و هذا هو الظاهر من الآية، لا أنّ التحكيم بما أنّه عمل، جزء من الايمان. و هذا نظير ما إذا ادّعى إنسان حبّاً لرجل فيقال له: ان كنت صادقاً فيجب انْ يُرى أثر الحب في حياتك فاعمل له كذا و كذا.
٤ ـ قوله سبحانه: (وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[١] فسمى سبحانه تارك الحج كافرا[٢].
يلاحظ عليه: إنّ المراد كفران النعمة، حيث إن ترك فريضة الحج مع الاستطاعة، كفران لنعمته سبحانه، و قد استعمل الكفر في مقابل شكر النعم، قال سبحانه: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[٣].
كما ربما يكون المراد من الكفر جحد وجوب الحج. و غير ذلك مما استدلوا به من الآيات. و أنت اذا احطت بما ذكرنا، تقدر على الاجابة عن استدلالهم بها[٤].
نعم، هناك روايات عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تعرب عن كون العمل جزءاً من الايمان، نظير قول الصادق ـ عليه السَّلام ـ: «ملعونٌ، ملعونٌ من
[١] سورة آل عمران: الآية ٩٧ .
[٢] البحار، ج ٦٦، ص ١٩ .
[٣] سورة إبراهيم: الآية ٧ .
[٤] مثل قوله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(البينة ٥) مستدلين بأنّ المشار اليه بلفظة «ذلك»، جميع ما ورد بعد الأمر، من عبادة اللّه سبحانه بالاخلاص و إقامة الصلاة و ايتاء الزكاة، استدل به ابن حزم في الفصل، ج ٣ ص ١٩٤ و قد أجاب عنه الأستاذ دام ظله في الجزء الثالث من بحوثه في الملل و النحل، فلاحظ.