الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٤
و تؤكّده آيات الطبع و الختم، فانها تعرب عن كون محل الإيمان هو القلب، كما يقول سبحانه: ( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[١] و يقول سبحانه (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)[٢]. و الختم على السمع و البصر لأجل كونهما من أدوات المعرفة التّي يستخدمها القلب.
و المآل هو القلب. فالامعان في هذه الآيات يثبت أنّ الايمان هو التصديق القلبي، و أما أنّ هذا المقدار من الايمان يكفي في نجاة الانسان أو لا، فهو بحث آخر، إذ من الممكن أن يكون للإيمان في مجال النجاة شروط أُخر.
* سؤال:
لو كان الإذعان القلبي كافياً في صدق الإيمان، فلماذا يندد سبحانه بجماعة من الكفار بأنّهم جحدوا الحقيقة بألسنتهم و إن استيقنوها بقلوبهم، مع أنّهم على التعريف الّذي ذكرناه، مؤمنين. يقول سبحانه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)[٣]، و يقول سبحانه: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)[٤]، و يقول سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[٥]. فهذه الآيات تدلّ على عدم كفاية التصديق القلبي في صدق الايمان.
جوابه:
إنّ الايمان هو التصديق، و أما التنديد، فلأنّ ظاهرهم كان مخالفاً لباطنهم، فكانوا يتظاهرون بالنفاق، ولولا التظاهر بالخلاف، بأن لا يجحدوا بعد
[١] سورة النحل: الآية ١٠٨ .
[٢] سورة الجاثية: الآية ٢٣.
[٣] سورة النمل: الآية ١٤ .
[٤] سورة البقرة: الآية ٨٩ .
[٥] سورة البقرة: الآية ١٤٦ .