الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٦
و هناك برهانان آخران على بطلان التناسخ على وجه الإطلاق، من دون أن تختصا بقسم دون قسم، و اليك بيانهما:
الأول: اجتماع نفسين في بدن واحد
و هذا البرهان مبني على أمرين:
أ ـ إنّ كل جسم نباتاً كان أو حيواناً أو انساناً، اذا بلغ من الكمال إلى درجة يصير فيها صالحاً لتعلّق النفس به، تتعلق به. و بعبارة أخرى: متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلق النفس المدبرة به، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة و لا تراخ، و ذلك مقتضى الحكمة الإلهية التّي شاءت ابلاغ كل ممكن إلى كماله الممكن.
ب ـ ان القول بالتناسخ يستلزم تعلّق النفس المستنسخة المفارقة للبدن، ببدن نوع من الأنواع من نبات أو حيوان أو إنسان، بحيث يتقوّم ذلك البدن بالنفس المستنسخة المتعلقة به.
و لازم تسليم هذين الأمرين، تعلّق نفسين ببدن واحد: إحداهما النفس المفاضة على البدن لأجل صلاحيته للإفاضة، و ثانيتهما النفس المستنسخة المتعلقة بعد المفارقة بمثل هذا البدن.
و من المعلوم بطلانه و ذلك لأن تشخص كل فرد من الأنواع بنفسه و روحه، و فرض نفسين و روحين مساوق لفرض ذاتين و وجودين لوجود واحد و ذات واحدة.
أضف إلى ذلك: أنه ما من شخص إلا و يشعر بنفس و ذات واحدة. قال التفتازاني: انّ كل نفس تعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره و أن ليس لها تدبير و تصرّف في بدن آخر، فالنفس مع البدن على التساوي، ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة و لا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد[١].
[١] شرح المقاصد ، ج ٢ ص ٣٨ و لاحظ كشف المراد، ص ١١٣، ط صيدا، و يضيف الأخير: انه لو تعلق نفس واحدة ببدنين لزم أن يكون معلوم أحدهما معلوماً للآخر و بالعكس، و كذا باقي الصفات النفسانية، و هو باطل بالضرورة.