الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٦
و الجواب: إن هذه الآية مختصة بالظالمين الذين أهلكوا في هذه الدنيا و رأوا جزاء عملهم فيها، فهذه الطائفة لا ترجع. و أما الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة، فيرجع لفيف منهم ليروا جزاء عملهم فيها، ثم يُردّون إلى أشد العذاب في الآخرة أيضاً. فالآية لا تمت إلى مسألة الرجعة بصلة.
السؤال الثاني ـ إن الظاهر من قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[١]، نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجي الموت.
و الجواب: إنّ الآية تحكي عن قانون كلّي قابل للتخصيص في مورد دون مورد، و الدليل على ذلك ما عرفت من إحياء الموتى في الأمم السالفة، فلو كان الرجوع إلى هذه الدنيا سنة كليةً لا تتبعض و لا تتخصص، لكان عودها إلى الدنيا مناقضاً لعموم الآية.
و هذه الآية، كسائر السنن الإلهية الواردة في حق الإنسان، فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع، و هذا لا ينافي الرجوع في مورد أو موارد لمصالح عُليا.
السؤال الثالث ـ إنّ الاستدلال على الرجعة مبني على جعل قوله سبحانه: (و يَومَ نحْشُرُ مَنْ كُلّ أُمّة فْوجاً ممّن يُكذبُ بآياتنا فهُم يوزعون)، حاكياً عن حادثة تقع قبل القيامة، و لكن من الممكن جعلها حاكية عن الحادثة التّي تقع عند القيامة، غير أنّها تقدمت على قوله سبحانه: (و يَومَ يُنْفَخُ في الصوّر)، و كان طبع القضية تأخيرها عنه، و المراد من الفوج من كل أُمّة هو الملأ من الظالمين و رؤسائهم؟
و الجواب: أوّلا: إنّ تقديم قوله: (و يَوْمَ نَحْشُرُ...)، على فرض كونه حاكياً عن ظاهرة تقع يوم القيامة، على قوله: (و يَوْمَ يُنْفَخُ)، ليس إلاّ إخلال في الكلام، بلا مسوّغ .
[١] سورة المؤمنون: الآيتان ٩٩ ـ ١٠٠.