الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩
بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأُمّة بعده، يستودعه شخصية مثالية، لها كفاءة تَقَبُّلِ هذه المعارف والأحكام وَتَحَمُّلِها، فتقوم هي بسد هذا الفراغ بعد رحلته صلوات الله عليه .
أمّا الإحتمال الأول: فساقط جداً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك سدّ هذه الفراغات ضياعاً للدين والشريعة، وبالتالي قطع الطريق أمام رُقيّ الأُمّة وتكاملها.
فبقي الإحتمالان الأخيران، فلا بد ـ لتعيين واحد منهما ـ من دراستهما في ضوء العقل والتاريخ.
هل كانت الأُمّة مؤهلة لسدّ تلك الفراغات ؟
هذه هي النقطة الحساسة في تاريخ التشريع الإسلامي ومهمّتِه، فلَعَلَّ هناك من يزعم أنّ الأُمّة كانت قادرة على ملئ هذه الفراغات. غير أنّ التاريخ والمحاسبات الإجتماعية يبطلان هذه النظرة، ويضادّانِها، ويثبتان أنّه لم يُقَدَّر للأُمّة بلوغ تلك الذروة، لتقوم بسدّ هذه الثغرات الّتي خلّفها غياب النبي الأكرم، لافي جانب التفسير، ولا في جانب التشريع، ولا في جانب ردّ التشكيكات الهدّامة، ولا في جانب صيانة الدين عن الإنحراف، وإليك فيما يلي بيان فشل الأُمّة في سدّ هذه الثغرات، من دون أن نثبت للأُمّة تقصيراً، بل المقصود إستكشاف الحقيقة.
أمّا في جانب التفسير، فيكفي وجود الإختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم، وقبل كل شيء نضع أمامك كتب التفسير، فلاترى آية ـ إلاّ ما شذّ ـ اتّفق في تفسيرها قول الأُمّة، حتى أنّ الآيات الّتي يرجع مفادها إلى عمل المسلمين يوماً وليلاً لم تُصَن عن الإختلاف، وإليك النماذج التالية .
أ ـ قال سبحانه: (فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)[١].
[١] سورة المائدة: الآية ٦ .