الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨٧
ناقصة تتجلى بعد الموت في النشأة الأُخرى بصورة كاملة برفع الموانع و الحجب، فكأنّ المعرفة العقلية بذر المشاهدة. فتلتذ النفوس في النشأة الأخرى بإدراك الأكمل فالأكمل.
و هذا كماترى غير ما أشار إليه القرآن من اللذات الروحية، نعم لا مانع من ثبوت كلا النوعين من المعاد الروحاني، و ليس الوارد في القرآن راداً لهذا القسم.
الثانى: إنّ المعاد الروحاني الوارد في القرآن الكريم يعمّ جميع النفوس، كاملة كانت أو متوسطة أو ناقصة. و لكن المعاد الروحاني الّذي عليه الحكماء يختص بصنف خاص، و هم الكاملون في المعرفة. و ذلك لأنّ المعاد الروحاني حسب الكتاب و السنة، يرجع إلى اللذائذ الروحية لا إلى اللّذة العقلية التّي تختص بالكاملين في المعرفة.
يقول صدر المتألهين: «و هذا النوع من اللذة و السعادة لا تنالها كل نفس و إنما ينالها من عرف العقليات في النشأة الأولى، لأن المعرفة بذر المشاهدة فمعرفة العقليات في النشأة الأولى منشأ الحضور في العقبى».[١]
إن النفوس مختلفة و منقسمة إلى كاملة و متوسطة و ناقصة، فلا شك أنّ حصر المعاد في الجسماني يخالف رحمته الواسعة و حكمته البالغة إذ النفوس الناقصة و المتوسطة، و إن كانت تلتذ بنعيم الجنة، و لكن النفوس الكاملة لا تلتفت إلى مثلها بل تطلب غاية أعلى منها، و لأجل ذلك يجب أن يكون هناك وراء هذه اللذات الحسية، لذة عقلية تتشوق إليها النفوس الكاملة و تصبو إليها، و ليست هي إلا نيل مقامات القرب من الحق تعالى.
يقول الحكيم السبزواري: «لو حصروا المعاد في الجسماني لكان قصوراً حيث عطّلوا النفوس الكاملة عن البلوغ إلى غاياتها، لأنها المستصغرة للغايات الجزئية، الطالبة للاتصال بالأرواح المرسلة، بل لمحض القرب من اللّه تعالى».
[١] الأسفار، ج ٩، ص ١٢٣، و ١٢٩ .